الرأي والتحليل

الكلام الدغري.. هشام أحمد المصطفى (أبو هيام) يكتب: كرم أهل سرحان الشيخ تاي الله: من موروث أصول قبيلة النفيدية “آهًا الدرع والسيف”

في بطاح السودان الشاسعة، حيث تمتزج الرمال بالأنساب، وتلتقي العراقة بالأصالة، تبرز قبيلة النفيدية مثالًا حيًا للنبل والكرم والشهامة. ومن صلب هذه القبيلة العريقة تتفرع منطقة سرحان الشيخ تاي الله، التي تمثل واحة من القيم والمكارم. أهلها عُرفوا منذ القدم بـ”أهل الدرع والسيف”، لكن سيوفهم لم تُشهر يومًا في وجه الضعيف، بل رُفعت دفاعًا عن الملهوف، ودرعهم لم يكن محصورًا في ساحات الوغى، بل كان حصنًا للمحتاج ومأوى للمظلوم.
الكرم: سلوكٌ فطري لا تكلّف فيه
الكرم عند أهل سرحان ليس طارئًا ولا اصطناعيًا، بل هو جزء متأصل من تكوينهم النفسي والثقافي. يظهر في تفاصيل حياتهم اليومية، من بيوتهم المفتوحة، إلى موائدهم العامرة، إلى صدورهم الرحبة. يستقبلون الضيف كأنه رسول من السماء، ويودّعونه بدعاء المحبة والبركة.
لا يُقدَّم الكرم عندهم من فائض المال، بل من أعماق القناعة والرضا. يُقال عنهم إنهم “يُطعمون الطعام على حبّه”، لا يسألون الضيف عن اسمه ولا عن بلده، بل يسبقونه إلى ظلّ الدار وصحن الطعام.
قبيلة النفيدية: تاريخٌ من الشجاعة والنبل
قبيلة النفيدية من القبائل التي تركت بصماتها في التاريخ السوداني، ليس بالقوة وحدها، بل بالقيم الرفيعة والمواقف النبيلة. عُرفت برجالها الذين لا يُساوَمون في الشرف، ونسائها اللواتي يحملن في قلوبهن مدرسةً للأخلاق والرحمة.
خرج من رحمها العلماء والمربّون والفرسان، وكان لها دورٌ مشهودٌ في السلم والحرب، وفي إصلاح ذات البين، وحماية العهود. وفي قلب هذه القبيلة تبرز سرحان الشيخ تاي الله كتجسيدٍ حيٍ لهذا التاريخ، تحتضن أهلها كما تحتضن الأم أبناءها، وترفع راية الكرم في زمنٍ كثر فيه الشح والبخل.
“آهًا الدرع والسيف”: المعنى أعمق من الرمز
حين تُقال العبارة المأثورة “آهًا الدرع والسيف”، يُراد بها رمزية الدفاع عن القيم، والثبات على المروءة، والنجدة في ساعة الشدة. الدرع هنا ليس أداة قتال، بل غطاء من الرحمة والستر. والسيف ليس أداة بطش، بل رمزٌ للقوة العادلة، والشهامة التي لا تظلم.
أهل سرحان لا يردّون محتاجًا، ولا يغلقون بابًا في وجه طارق. تجد فيهم من يُجالس الضعيف، ويكرم الغريب، ويُحسن إلى القريب والبعيد. الكرم فيهم ليس سلوكًا ظرفيًا، بل نمط حياة يتوارثونه كما يُورث الذهب والفضة.
مجتمع سرحان: قيم التكافل وصدق النوايا
سرحان مجتمع فريد، يجمع بين الفطرة السليمة والعُرف النبيل. لا يُترك مريض دون زيارة، ولا تُقام مناسبة دون مشاركة، ولا يُسمع بنداء استغاثة دون استجابة. التكافل بينهم ليس مجرد واجب اجتماعي، بل التزام أخلاقي يغرس منذ الطفولة.
المرأة السرحنية لها دور محوري في هذا المشهد، فهي من تُعدّ الطعام، وتفتح الدار، وتغرس في الأبناء معنى “الضيافة عبادة”، و”الجود من الموجود”. يتعلم الصغار أن الكرم ليس انتظارًا للغنى، بل صفة تنبع من القلب.
الشيخ تاي الله: إرث لا يموت
الشيخ تاي الله، الذي سمّيت البلدة باسمه، لم يكن شخصًا عاديًا. كان رمزًا للكرم والحكمة والمروءة. تتناقل الأجيال قصصه في إكرام الضيف، وعطفه على الضعفاء، وحرصه على غرس القيم في النفوس. كان إذا رأى ضيفًا يقول: “مرحبًا بمن أكرمنا الله بقدومه”، وكأن الضيف هدية من السماء.
ورث أهل سرحان هذا الخُلق، وتناقلوه جيلًا بعد جيل، حتى أصبح اسم الشيخ تاي الله شعارًا لمدرسة في الكرم الإنساني والتعامل الراقي.
ثبات على المبادئ رغم المتغيرات
في زمن المِحن والحروب والمجاعات، اهتزت كثير من القيم في المجتمعات، لكن أهل سرحان والقبيلة النفيدية ظلوا أوفياء لقيمهم. لم تسمح لهم الأزمات بأن يتخلّوا عن شهامتهم، بل كانوا اليد التي تمتد، والصدر الذي يحتضن، والدار التي تفتح أبوابها.
وهنا تتجلّى قوة المعدن النفيدي، فهو لا يصدأ، ولا يخضع للتقلّبات. في الشدّة يُمتحن الرجال، وسرحان قدّمت في كل امتحان مثالًا على النبل والكرامة.
دعمٌ راسخ للقوات المسلحة وبيعةٌ بالدم للأرض والدين
لم يكن أهل سرحان بمعزل عن واجب الوطن، ولم يتفرّجوا على المحنة الكبرى التي اجتاحت السودان كما يتفرّج الغريب. بل كانوا في قلب المعركة موقفًا وولاءً. وقفوا وقفة رجال خلف قواتنا المسلحة الباسلة، ففتحوا الديار للمجاهدين، وقدّموا الزاد للمقاتلين، ورفعوا الرايات لدحر المليشيات المتمردة، مؤمنين بأن الدفاع عن السودان ليس فقط حماية للتراب، بل صونٌ للدين والكرامة والهوية.
وفي لوحة من أبهى صور الفداء، قدّموا خير أبنائهم شهيدًا مغوارًا، سطر اسمه في سجل المجد بمداد من الدم، ليكون شاهدًا على أن سرحان لا تبيع ولاءها، ولا تخذل وطنها، ولا تتراجع في ساعة العزم. لقد ارتقى ابنهم مقبلاً غير مدبر، مدافعًا عن الأرض والعِرض، فكان برهانًا ناصعًا على أن الوفاء للوطن يسري في عروقهم كما يسري الكرم في دمائهم.
الخاتمة: حين يكون الكرم هويةً لا شعارًا
لا يمكن لمقال، مهما طال، أن يُنصف كرم أهل سرحان الشيخ تاي الله، أو يُحيط بعظمة قبيلة النفيدية. فهم ليسوا فقط مجتمعًا يُكرم الضيف، بل مجتمع يُكرم الإنسان، أيًّا كان، ما دام محتاجًا للعون.
ستظل سرحان رمزًا للدرع الذي يحمي، والسيف الذي يُنصف، والدار التي تأوي، والقلب الذي يُحب. وستظل النفيدية قبيلة تُكتب عنها القصائد، وتُروى عنها الحكايات، لأنها قبيلة من معدنٍ أصيل، لا يتغير مهما تغيّر الزمان.
آهًا الدرع والسيف… آهًا سرحان… آهًا النفيدية… ومن لا يعرفكم، فليقرأ هذا الزمان.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى