الرأي والتحليل

محمد طلب يكتب: عائشة وصويحباتها… أنا و الحالات الخاصة

منذ أن أصابتني الجلطات الدماغية، وتركت في جسدي نصفاً لا يطيعني كما كان، عرفت معنى العجز… وعرفت أيضاً كم نحن أمة لا تشعر إلا حين تصاب في نفسها .. صرنا لا نحس بوجع الآخر حتى يطرق ذات الوجع بابنا، ولا نعرف قيمة العدالة حتى تسلب من بين أيدينا .. ربما هو خلل تربوي أو أخلاقي أو لعله ببساطة (تبلد إنساني) تراكم عبر السنوات، فصار جزءاً من طباعنا… وظهر الآن بكل وضوح في هذه الحرب التي كشفتنا عراة أمام أنفسنا .. فأعذروني علي وضوح مشاعري تجاهنا … و( دا ما موضوعنا)…
اشتعلت الوسائط وتدفقت الكلمات واحترقت القلوب أيضاً حزناً وتعاطفاً مع الطالبة النابهة (عائشة حماد) تلك الفتاة التي شهد لها الجميع بالذكاء والاجتهاد ثم صُدمت البلاد حين رأت نتيجتها (صفر في مادة الأحياء) مع تعليق بارد جداً (حالة غش) بل ومرفوض من كل من عرف الطالبة و استبعد الجميع ان تكون (عائشة) قد ارتكبت (حالة الغش) رغم ان من ارتكبوا غشاً في حقنا نحن اصحاب الحاجة الخاصة كُثر ومن غشوا الشعب السوداني يعيشون الان في رفاهية والمواطنون معذبون في الأرض…
و( دا برضو ما موضوعنا)..
لقد تدفق الغضب وانهالت المنشورات عن حكاية عائشة وظلمها ولكن كالعادة… انشغل الناس بقصة (الحالة الفردية)، وتركوا الأسئلة الكبرى التي تختبئ خلفها والتفوا حول هذه الحالة يدعمونها (كحالة فردية) وهي تستحق لكن مع الانتباه الي انها (حالة فئوية) اي انها تقع علي (مجموعة) ليس صغيرة من ذوي الحاجات الخاصة …ولم يتم طرح الاسئلة الجوهرية الكبيرة والشاملة مثلاً :-
من هو الشخص المساعد في الامتحان ؟؟ وهل مسئولية توفير المساعد تقع علي المكفوف ام انها مسئولية الوزارة؟؟
و ما هو تاهيله ليمسك القلم عن صاحب الحق؟؟
اذ يجب ان يكون المساعد صاحب مهارة وليس مجرد شخص يفك الخط .. وسوف اضرب لكم مثال يوضح الفكرة مثلاً في امتحان التعبير قد يقول المكفوف عبارة مثل :-
(الدقة والاتقان في العمل درب اليقين المؤدي للإنجاز ) فقد يكتبها المساعد غير المؤهل كالآتي:-
*( الدغة والادغان في العمل ضرب اليغين المودي للانجاذ)*
فمن يكتب بهذا الشكل لا شك ان المكفوف سوف يحصل علي (صفر ) بسبب (المساعد غير المؤهل) لاداء المهمة وهذا سؤال كبير جداً لن تجد له اجابة!!! ..
حقيقة في كل ما اشتعلت به الميديا واطلعت عليه لم يرد نص السؤال سبب المشكلة!!!
لكن يبدو ان السؤال يتعلق بـ(ارسم كذا ؟) مما يخلق سؤال كبير هو:-
وبعيداً عن حالة (عائشة حماد) كيف يمكن لممتحن مكفوف أن يرسم وهو لا يرى؟؟؟
علي المستوي الشخصي اري انه من (العدل) عدم (المساواة) بين الممتحنين مكتملو الحواس .. ويفترض ان يكون هناك امتحان خاص لذوي الحاجات الخاصة ليس تساهلاً معهم ولكن لتكون الاسئلة تتناسب مع حواسهم وحركتهم ..اما اذا كان الامر يكلف الدولة الكثير فمن الواجب ان تكون الاسئلة تناسب كل الحالات!! بحيث لا يكون هناك سؤال مثل ارسم كذا؟؟ كما حدث في موضوع الطالبة( عائشة حماد).. عموماً تبقي الاسئلة عالقة تحتاج الاجابة
ما نوع السؤال الذي طُرح؟
هل كان سؤالاً يطلب (ارسم كذا)؟ وما هي مواصفات المساعد؟ وهل مسئولية الطالب ام مسئولية الوزارة في توفير مساعد مؤهل لمن يحتاجه؟؟
يبدو أن الأقدار صارت هي التي تكتب لنا الإجابات عن كل الاسئلة العالقة في وطن لا يملك حتى ورقة الأسئلة بضمير حي؟
قضية (عائشة) ليست سوى نافذة صغيرة في جدار متهالك اسمه نظام إمتحانات الشهادة السودانية.
نظام لا يعرف معنى العدالة ولا المساواة.
نظام يضع سؤالاً في الأحياء عنوانه (ارسم) وكأن الامتحان في مادة الفنون!!!
ثم يُحاسب على العجز وعلي الانجاز وكأنه خطيئة.
في البلاد التي تحترم إنسانها، هناك امتحانات خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة، تُعد بما يتناسب مع قدراتهم، لا بما يزيد عجزهم ألماً ، لكن في بلادنا، لا إمكانات ولا إنسانية فنحن نحاسب المرضى كالأصحاء، والفقراء كالأغنياء، والمظلومين كالمذنبين بل حتى الطالبة الكفيفة التي حاولت أن ترى بالنور الداخلي رُميت بتهمة الغش!
أي وطن هذا الذي يُعاقب البصيرة لأنها لم تُبصر بالعيون بل بالقلوب
تذكرت وأنا أتابع قضية عائشة تلك الحكاية القديمة، قبل الحرب، عن الطالبة (سامية معاذ علي احمد) التي كانت من الأوائل وكانت نتيجتها الحقيقةهي 93٪
لكن أيادي الفساد امتدت إلى درجتها، فمسحت تعب السنين، وحولته إلى 63٪ فقط لصالح طالبة أخرى لم تعرف السهر ولا الكد يوماً من الايام حدث ذلك في وضح النهار ولم يُحاسب أحد وقد كان ذلك قبل الحرب
واليوم يتكرر المشهد لكن هذه المرة وسط رماد الحرب، وأشلاء العدالة.
نحن مجتمع لا يتعظ، لا يتغير، لا يسمع إلا حين تصرخ المصيبة في وجهه.
نعيش بين الفوضى والخذلان، نكذب على أنفسنا باسم (الظروف) ونبرر عجزنا باسم (الحرب)، ثم ندفن ضمائرنا تحت ركام العجز، ونقول (قدر الله وما شاء فعل)
لكن الحقيقة أننا نحن القدر السيئ الذي أصاب وطننا.
نحن الذين كتبنا بأيدينا هذا الخراب. ولك الله يا عائشة،
ولك الله يا (سامية معاذ)
ولك الله يا وطن كامل أُصيب بالشلل… ولم يجد بعد من يعينه على النهوض.
أديس أبابا 24 أكتوبر 2025
mtalab437@gmail.com

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى