الرأي والتحليل

محمد طلب يكتب: مشاركات نعي الاموات ورفض مواضيع الحياة

يبدو أن السودانيين في زمن الخرابات المتلاحقة قد اكتشفوا أخيراً المجال الوحيد الذي (يجمعهم) دون (صراعات) و يحرك أصابعهم بسرعة البرق على شاشات الهواتف ويدعوهم للمشاركة انه (الموت) و نعي الاموات نعم… النعي!!!
ذلك (المنشور الأسود) الكئيب الذي بمجرد ظهوره (يتفرغ) له كل الشعب من الشيخ في القرية إلى الطالب في الجامعة من المغترب في الخليج إلى (زول السوق الشعبي)… فجأة الكل يصحى مع التفاعل الوطنيّ الشامل الذي لا يحدث في أي (قضية أخرى) مهما كان قربها من (حياة الناس) و تفاعلها مع (قضاياهم) الراهنة..
قد تطرح قضايا فكرية .. تكتب عن الثقافة و الادب .. عن الاغنيات والامنيات .. عن الاغاني والمعاني .. عن الفنون .. او تتكلم عن السياسة والاقتصاد والهوية .. عن انهيار الأوطان .. و تدحرج المدن .. تُسرق الحياة نفسها.. و لا حياة لمن تنادي… رغم ان الكل (متصل) .. قرأ .. وصمت .. (شاف بعينو البياكلها الدود).
و يتم نعيه في ذات القروب ….و لا كلمة !!! اهم المواضيع تمر بلا تعليق او نقاش … لكن بمجرد أن يكتب أحدهم: (انتقل إلى رحمة الله…)
تجد الشعب كله بطوائفه وأمزجته وأمراضه المزمنة يهرع للمشاركة كما لو كان ينتظر الإشارة الخضراء لخدمة الوطن.. فتنهال العبارات والايات
(الله يرحمو… الفاتحة… إنا لله… خبر مؤسف… كان رجل طيب…) و تبدأ (اللايكات) تتقاطر كأنما (الموت) فتح لهم بوابة للتحقق الاجتماعي و اثبات (الوجود الفعلي) لهم ككيان حي…..
هل أصبح (الموت) هو (الترند القومي)؟؟؟
هل صرنا شعباً لا يتحمس إلا لما بعد الحياة؟؟؟
و ماذا اعددنا لما بعد الموت!؟؟؟
هل شاركنا خلق الله في قضاياهم الهامة؟!
هل تفاعلنا مع امور (الحياة) وبذلنا جهود (للتعايش) والسلام ؟؟!!
هل وصل بنا الحال إلى أن النقاشات الجادة (مرهقة) بينما النعي (خدمة وطنية مقدور عليها)..؟؟؟
المسخرة الأكبر أن بعض القروبات التي (لا تتفاعل) مع أي موضوع نهائياً تتحول فجأة إلى (ملتقى عزاء إلكتروني) يعلق فيها الناس كأنهم ندبوا المتوفي شخصياً رغم أنهم في الغالب لا يعرفون لا اسمه ولا وجهه… لكن المهم (النعي جاهز)… والانسحاب من الحياة مستمر و إنا لله وانا إليه راجعون…
يا جماعة الخير شعب يهرب من (قضايا الحياة ) من التفكير .. من النقاش .. من المسؤولية… لكنه (يهرول للموت) كأنما وجد فيه (راحته النفسية)…
شعب يخاف من (رأي) لكنه لا يخاف من( قبر) … شعب يشعر بالتثاقل من كلمة (تنمية) ويشعر بالخفة عند عبارة (البقاء لله)…
هذا ليس طقساً اجتماعياً هذه ثقافة انسحاب جماعي من الحياة نفسها…..
ربما لأن الحياة صعبة؟؟؟
ربما لأنها تطلب جهداً؟؟؟
ربما لأنها تُلزمك أن تقول رأياً وتتحمل مسؤوليته؟؟؟
أما الموت فهو (مجاني)… ولا يطلب منك سوى جملة قصيرة محفوظة و مكررة
ولكن… هل يمكن أن ينهض بلد يعيش أهله في (مجموعات واتساب) يتحمسون للموت أكثر من مشاركتهم حول قضايا الحياة؟
هل يمكن أن تبنى أمة تتهرّب من القضايا الساخنة وتتصدر في مراسم العزاء الإلكترونية ؟؟؟
أمة تعيش بلا خطة بلا رؤية بلا نقاش… لكنها تملك خبرة أسطورية في كتابة (إنا لله وإنا إليه راجعون)!!!!
وهو امر ليس بالجديد في الحياة السودانية ظهر فقط مع انتشار وسائط التواصل الاجتماعي ففي زمن كان (الراديو) هو الوسيلة الوحيدة لسماع الاخبار كان الناس ينتظرون (اخبار الوفيات) وينصتون لها بشكل جيد ويحرصوا بشكل غريب الا يفوتهم سماع (اخبار الوفيات) .. وهو امر تفردت به (الاذاعة السودانية) دون غيرها… فنحن المتفردون دوماً في (اللاشئ) ..
هذا الغباء الاجتماعي و نفاق المجاملات لم يأتِ من فراغ إنه نتاج سنوات من الخوف، القمع، الجهل، التشتت، والروتين القاتل… لكن النتيجة واحدة شعب يفتتح يومه بالأحزان و يختتمه بالوفيات ويظن أنه يؤدي واجبه الوطني ….
يا أهل السودان…
شاركوا في (الحياة) كما تشاركون في الموت اكتبوا عن العلم عن العمل عن المستقبل عن (التغيير) عن الثقافة عن الوعي…
البلد لن تنهض (بالإيموجي) الأسود ولا بخلفيات العزاء…
كفاكم هروباً… كفاكم تجاهلاً لقضاياكم .. الحياة تحتاج شجاعتكم و مشاركتكم أيضاً واكثر من الموت… اعلم ان حديثي لن يعجبكم .. فالمعذرة عزيزي القارئ
mtalab437@gmail.com

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى