الرأي والتحليل

محمد طلب يكتب: موت الضمائر.. من (عمّك ياااا) الاجتماعية إلى (شعبك يااا) السياسية

في سودان (الاسلمة) و ذلك (المشروع الحضاري) الذي جعل الوطن يصر على ابتكار أزمات (لغوية) حين لا يجد ما (يختصم فيه) فقد خرج علينا (جيل جديد) في ظل (الانقاذ) قرر أن يُجري تعديلات جراحية على (الضمائر) دون استشارة مجمع لغوي ولا شيخ قبيلة ولا إدارة اهلية ولا حتى (قوقل ترانسليت).
و فجأة أصبح الشاب السوداني مع سياسة (التعريب بالجامعات) يخاطب جاره أو زميله أو سائق الأمجاد او الركشة تلك الوسائل التي ظهرت في ذات العهد بـ (عمو… خالو…).
وكأن كل رجال السودان صاروا (عماً و خالاً) فهتفنا يا سلاااام ما هذا الجمال وهذا الكرم وهذه الاخلاق بعد ان كان الواحد منهم (عمنا) كلنا.
لكن الكارثة لم تقف عند حدود هذا (الدلال) و (دلع) المفردة لتخفيف المسؤولية التي تجلبها الـ (ياء) من قيم الالتزام والاحترام في (خالي وعمي) السابقة للاسم والمُعرفة بالاضافة اللصيقة (خالي طلب) او (طلب خالي) فقد (تطورت) لتتحول إلى ظاهرة لغوية كاملة تُعلن رسمياً موت (ياء النسب) و دفنها في مقبرة (الكُول) و (اللايف ستايل).
في الأصل حين كانت هناك محبة حقيقية والتزام اخلاقي باضافة تلك (الياء) كنا نقول:
عمي = عم + ياء المتكلم = (عمي أنا).
خالي = خال + ياء المتكلم = (خالي أنا).
هذه (ياء ملكية واضحة) تُثبت صلتي بالشخص بلا ارتباك ولا تأويل رحماً كان او احتراماً فقد تغنت فتيات السودان
انا سودانية مية المية
بت الشيخ وبت الحاج
امي رقية وخالتي مرية
هكذا كنا قبل (الانكاس) لكن الشباب لسبب لا يعلمه إلا الله قرروا استبدالها بـ (هاء الغائب)
عمو = عمه و خالو= خاله
و(الهاء) هنا ليست ملكية.. بل تُستخدم عادةً للإشارة إلى (شخص ثالث) غير موجود في الحوار.
يعني (خالو)= خاله (هو)… وليس خالك أنت!.
بمعنى آخر الشاب اليوم حين يخاطبك بـ(خالو) فهو لغوياً يخاطب خال (شخص آخر) غيرك ولا علاقة لك به.
إنه لا يقول لك شيئاً.. فقط يصفك كما لو كنت في (فيلم وثائقي!).
فتم التحول من الضمير (الغائب) إلى الضمير (الميت) هكذا ماتت (ياء النسب) والمحبة والقُرب ودفنت بلا جنازة ثم جاء الجيل التالي ليقضي على ما تبقى من الضمائر فقفزوا إلى مرحلة جديدة أكثر إثارة للغثيان:-
(يا خالك) ( و عمك يااا…)
وهنا وصلنا إلى قمة( العبث اللغوي) وكثير من انواع العبث الذي ظهر في حياتنا مع (المشروع الحضاري) لأن كاف الخطاب في ( عمك) تعود إلى (المخاطب).
أي أن معنى الجملة يصبح
(يا عم نفسك…) بالبلدي الواضح تعني (لا عمي ولا بعرفك انت عم روحك براااك) و هو خطاب فلسفي مرعب أقرب إلى جلسة تحضير أرواح منه إلى لغة بشرية.. تخيل أن تقول لشخص ما (يا خالك)…
فأنت (لغوياً) تقول له( خالك أنت) وهو المخاطب فيصبح (خال نفسه) إذن لماذا تناديه بها وهو خال نفسه؟.
اللغة انهارت.. و(الضمائر) انتحرت.. والبلاغة رفعت يدها وغادرت .. من أين جاءت هذه العدوى؟.
في ظل المشروع الحضاري هناك ثلاثة احتمالات :-
الاول ( كسل لغوي جماعي)
الناس لم تعد تريد أن تقول جملة كاملة يريدون كلمات لزجة وسريعة تنزلق من اللسان بلا جهد.
الثاني (شهوة اللطافة الزائدة) حيث ظن الشباب أن (عمي) فيها جدية ووقار.. بينما (عمو) أخف، ألطف، وأقرب للـ(فري فريندلي).
او انها (ثقافة المحنة)
حيث يصبح أي شخص ( عمو) أو (خالو) في غياب العم و الخال الحقيقي وغياب مفاهيم العمومة والخؤولة والحنان و الالتزام.
وهل أصبحنا شعباً يبحث عن القرابة والانتماء بأي ثمن.. ولو كانت قرابة لغوية مزيفة بعد ان صرنا غرباء في مجتمع (المشروع الحضاري) القسري وهل أثر الظاهرة ادي فقدان المعنى.. وفقدان الاحترام؟.
أخطر ما في الأمر ليس ضياع قواعد النحو بل ضياع دلالات المحبة و الاحترام.
كان قولك (عمي فلان) و(خالي فلان) جزء من منظومة أدب سوداني جميل يربط المجتمع ببعضه.. انها قيم الابوة التي كانت سائدة.
أما الآن.. فأنت لا تعرف هل المخاطب يقصدك أم يقصد (خال شخص آخر) أم يخاطبك بأنك (عم نفسك!).
لغة بلا ضمير.. مجتمع بلا عنوان .. حتى وان قبلنا (خالو) فهي خالية من التعريف بالاضافة فهو (مجرد خالو زيو وزي اي خالو).
ليتكم تعيدوا (للضمائر) احترامها.. و قولوا للناس ما تعنونه.. لا ما يبدو لطيفاً خفيفاً سريع الانزلاق على (التيك توك) قولوا (عمي… خالي… يا عمي… يا خالي) كلمات واضحة تحترم المعنى والإنسان.. قولوا (يا عمي) وليس (عمك يا) حتى جمال (ياء النداء) صار لاحقاً وليس سابقاّ .. (الحقنا يا ابو مرؤة).
يا شباب السودان اللغة ليست لعبة فيديو .. الضمير ليس إكسسواراً و (عمو وخالو) ليستا بديلين عصريين.. بل هما إعلان رسمي بأن( الضمائر) ماتت، واللغة في طريقها للحاق بها.
والان في هذه الحرابة وصلنا إلى الاسقاط الأخطر.
فالخطاب السياسي اليوم يفعل الشيء نفسه لا يخاطب (الفاعل الحقيقي) للحرب بل يُوجه اللوم والغضب نحو (القوى المدنية)… تماماً كما يخاطب الشباب (خالو) وهو يقصد شخصاً غائباً .. السلطة تتحدث إلى غير أصحاب السلاح.. بل تستعين بمليشيات جديدة من ذات (الرحم القديم ) و تترك من يشعل النار بلا نداء.. إنه موت (الضمير السياسي) كما ماتت (ياء النسب) لغوياً
الخوف أن نصل إلى الصيغة (الأخطر ) النسخة السياسية من (عمك يا) أن يقولوا للشعب (شعبك يااا…).
وكأن الشعب يخاطب نفسه و يحاسب نفسه و يخطئ نفسه.. بينما صانعو الخراب واقفون في خانة (هاء الغائب).. لغة بلا ضمير تُنتج خطاباً سياسياً غير مسؤول.
ومجتمع يتحدث بـ(عمك يا ) و( خالك يا ) اليوم… سيُقال له غداً:-
(يا شعب نفسك ياااا… دبر حالك يااا).
أحيوا (الضمائر) في كلامكم وفي خطابكم وفي حكمكم
قبل أن تُدفن نهائياً.
انهضوا (للتغيير) قبل ان يصبح الخطاب لكم( يا شعبك يااا) و نجد الوطن نفسه يصرخ وحيداً في الفراغ (الحقنا يا أبو مرؤة…).
mtalab437@gmail.com

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى