
يحلُّ عيد الإستقلال السبعون والسودان يقف على أعتاب مرحلة فارقة من تاريخه؛ مرحلة يتعافى فيها الوطن — ببطءٍ ولكن بثبات — من آثار الدمار الشامل الممنهج الذي استهدف الدولة ومؤسساتها ووحدة نسيجها الاجتماعي لسنوات طويلة. لقد أراد المخططون أن ينكسر هذا البلد وأن يُفرَّط في سيادته، ولكن هيهات… فالسودان ليس طارئاً في تاريخ الأمم، بل هو أصلٌ عريق في ضمير البشرية، وحضارة ضاربة الجذور في الوعي الإنساني، وشعبٌ يفتخر بأنه من أحفاد ترهاقا ورماة الحدق الذين سطروا ملاحم العزة والكرامة.
إن التحديات التي واجهها السودان — وما يزال — لم تُضعف إرادة أهله، بل صقلت وعيهم الوطني ورسّخت قناعتهم بأن الوطن لا يُبنى بالشعارات ولا تُصان سيادته إلا بالتضحيات. لذلك ظل السوداني ثابتاً، كجبل الطود الراسخ، يتمسك بتراب وطنه إيماناً بأن الأرض عرضٌ وكرامة، وأن الخذلان لا يكون خياراً مهما اشتدت المحن وتعاظمت المؤامرات.
وفي هذه المناسبة، تتوجه التحية — خالصةً وصادقة — إلى القوات المسلحة السودانية، التي تحمل على عاتقها عبء الدفاع عن حدود الوطن وسيادته، وتدفع من دماء رجالها ثمناً لاستقرار البلاد وأمن مواطنيها. والتحية كذلك تمتد إلى الأجهزة النظامية كافة، وإلى المقاومة الشعبية، وإلى كل مواطن شريف يضع مصلحة السودان فوق أي اعتبار، ويعمل — بجهده وعرقه — من أجل نهضته وتماسكه وحفظ كيانه.
إن الاستقلال لم يكن حدثاً عابراً في سجل التاريخ، بل هو عهدٌ متجدد ومسؤولية أخلاقية وسياسية تجاه الأجيال القادمة. فاستقلال الأرض لا يكتمل إلا باستقلال القرار الوطني، والاقتصاد المنتج، والمؤسسات القوية، والتعليم الراسخ، والعدالة التي تطمئن لها القلوب. لذلك يصبح واجباً على الجميع — دولةً ومجتمعاً — أن يضعوا الوطن فوق الأهواء، وأن يطهروا الساحة من كل من خان وباع وارتهن نفسه لعبادة الدولار ومصالح الخارج على حساب أمن السودان واستقراره. فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تغفر لمن يتاجر بدمائها وأحلامها.
إن الذكرى السبعين للاستقلال هي فرصة لمراجعة المسار، ولصياغة مشروع وطني جامع يلتقي حوله السودانيون جميعاً بلا إقصاء ولا مكايدات. مشروع يعيد الاعتبار للدولة، ويستنهض قيم العمل والتكافل والصدق، ويضع لبنات نهضةٍ حقيقية تقوم على سلامٍ دائم وتنميةٍ عادلة وهيبةٍ للقانون.
سيظل السودان، رغم الجراح، بلد العزة والصبر، وسيبقى أبناؤه متمسكين بوحدته وسيادته حتى يُدفنوا في ثراه إن اقتضى الأمر. فالأوطان العظيمة تُبنى بالتضحيات، والاستقلال الحقيقي هو أن نبقى أوفياء لرسالة الآباء الذين رفعوا علم الحرية أول مرة… وأن نسلم الراية للأجيال القادمة أكثر قوةً وثباتاً وكرامة.
كل عام والسودان بخير، حراً عصياً على الانكسار، ماضياً بثقة نحو غدٍ يليق بتاريخه وشعبه.



