
حفيظة بكري
رغم البداية الواعدة والخدمات المميزة التي انطلق بها مستشفى المك نمر بوصفه صرحًا صحيًا وتعليميًا مهمًا، إلا أن واقع الحال داخل عنبر الأطفال يطرح تساؤلات مقلقة ويستدعي وقفة جادة، في ظل أوضاع وُصفت بالمؤسفة وتتنافى مع أبسط معايير الرعاية الصحية والإنسانية.
ويتكون عنبر الأطفال من (12) سريرًا، وهو عدد يفترض أن يستوعب عددًا مماثلًا من الأطفال المرضى في الظروف الطبيعية، غير أن الواقع يشهد تكدسًا ملحوظًا، خاصة خلال فترات انتشار حمى الضنك والالتهابات المختلفة، حيث يُضطر طفلان أحيانًا لمشاركة سرير واحد، في بيئة تفتقر إلى التهوية الكافية، إذ لا توجد سوى مروحتين لا تكفيان لتهوية العنبر، بينما تبدو أجهزة التكييف معطلة، وكأنها مجرد ديكور معلّق على الجدران.
وتفتقر الأسرة إلى الملايات، فيما تعاني الفرش من تهالك واضح، إلى جانب وجود خزائن مكسّرة ومتسخة لا تصلح لاستخدام المرافقين، ما يدفعهم لنشر مقتنياتهم داخل العنبر في مشهد فوضوي يفتقر إلى التنظيم. كما تشكو الجدران من تراكم الأتربة وبيوت العنكبوت، وتبدو الأبواب والنوافذ في حالة سيئة، تعكس غياب الصيانة الدورية.
وأشار التقرير إلى أن رسوم الدخول واستخراج الكروت، والتي تبلغ في المتوسط (2000) جنيه، إضافة إلى العوائد الأسبوعية الكبيرة، تمثل موارد كافية لإجراء صيانة شاملة للعنابر، خاصة عنابر الأطفال التي ينبغي أن تتمتع بخصوصية مختلفة، من حيث الألوان المبهجة والرسومات والألعاب والعناصر البصرية التي تبعث الطمأنينة والفرح في نفوس الأطفال المرضى.
كما أبدى التقرير قلقًا بالغًا من انتشار القطط داخل العنبر بأعداد تفوق عدد الأطفال، وما تمثله من خطر صحي وإزعاج نفسي للصغار، إلى جانب تدني مستوى النظافة في حوامل المحاليل والأحواض المعطلة، وغياب الخصوصية بسبب انفتاح العنبر من جميع الجوانب دون وجود فواصل بين الأسرة.
وفي جانب الخدمات، أُثيرت شكاوى تتعلق بعدم مرونة الصيدلية في استرجاع أو استبدال الأدوية، إضافة إلى إلزام التعامل عبر التطبيقات البنكية، ما يضع بعض المواطنين في حرج بالغ لعدم إلمامهم باستخدامها. كما طُرحت ملاحظات حول سوء التنظيم عند بوابة المستشفى، وحدوث احتكاكات مع المرافقين، إلى جانب إغلاق المسجد في أوقات الصلاة، خاصة صلاة الفجر، ما يضع المرافقين في حيرة.
ولم يغفل التقرير الإشارة إلى سلوكيات بعض المرافقين التي تسهم في تفاقم الوضع، خاصة داخل الحمامات والممرات، مؤكدًا في الوقت ذاته أن عمال النظافة يؤدون دورهم، إلا أن غياب الوعي المجتمعي يظل عاملًا سلبيًا مؤثرًا.
ودعا التقرير الشباب والمبادرات المجتمعية وكل الغيورين على هذا المرفق الحيوي إلى المساهمة في إصلاح الأوضاع، مشددًا على أهمية دور الإدارة الطبية في التقاط “قفاز المسؤولية” والتعامل الجاد مع هذه المشاهد المتكررة، التي تمس كرامة الإنسان، وتؤثر بشكل مباشر على الحالة النفسية والصحية للأطفال.
وختم التقرير بالتأكيد على أن ما يجري داخل عنبر الأطفال ليس مجرد ملاحظات عابرة، بل قضية إنسانية تستوجب المعالجة الفورية، لأن سقوط الكرامة داخل المرافق الصحية يجعل من الصمت جريمة، ويحوّل الكلام من ترف إلى واجب.



