
كنا روادا” في كل شئ في السياسه والتعليم ومظاهر التنميه والحضاره . كان ذلك في أوائل خمسينات ونهايه ثمانينات القرن الماضي والسودان لايزال في عافيته وشبابه بعد حصوله علي الاستقلال ويحتل مكانته المشرفه له وللسودانيين وفي وقت كان الكثير من دول المحيط العربي والافريقي إما تحت السيطره الإستعماريه أو تحت مظاهر التخلف والفقر . كنا نتمتع بسمعه لا يستهان بها في السياسه وشؤون الحكم سواء” المركزي أو المحلي وكنا نصدر خبراتنا في هذا المجال وغيره لدول المحيط الأقليمي وخاصه دول الخليج التي ساهمنا في نهضتها . كنا محل ثقه في محيطنا الأفريقي والعربي مما جعلنا نجمع العرب ونوحد كلمتهم في القرارات المصيريه ونقود وفودهم في أروقه الامم المتحده ونتحدث باسمهم جميعا” عند الأزمات .
إن تلك الأيام التي مثلت تلك الفترة المستقرة في تاريخ السودان امتدت لثلاثة عقود بعد الإستقلال منذ أواسط الخمسينات وحتي نهاية الثمانينات (١٩٥٦-١٩٨٩) ذاق خلالها السودانيون احلي أيام حياتهم وكانوا مضرب المثل هم وبلادهم علي نطاق أفريقيا والعالم العربي . نقول ذلك صدقا” في الحديث ووعيا” به وإنصافا” لتلك الفترة السياسية التي قادها السودانيون رواد الإستقلال ومثقفوه وعناصر الطبقه الوسطي من عمال ومزارعين وتجار وموظفين ومعلمين وطلاب وملامح بلاد تتسم بإستقرار في الإقتصاد والمعيشة والخدمات والأمن وجيش قومي وخدمه مدنيه فاعلة ونزيهة ووحدة تراب للوطن وارتباط الناس به دون هجرة أو نزوح . وكنا نسير بخطي معقولة ونقترب من المستويات العالمية في كثير من الميادين كالتعليم والخدمة العامة والزراعة والصناعة والتجارة الخارجية والنشاط المصرفي . خلال الثلاثة عقود التي أعقبت الإستقلال في الخمسينات والستينات والسبعينات التي عددناها سابقا” حققنا تقدما” معقولا” في المزيد من مشروعات التنمية كالطرق القومية وإمتدادات السكة الحديد ومصانع السكر والنسيج والكرتون والجلود والألبان والزيوت وتعليب الفاكهة ومشاريع الكناف والارز والاخشاب وهذه الاربعة الأخيرة بالجنوب وغير ذلك من الصناعات الخفيفة وحتي في مجال البنوك المتخصصة التي تدفع لمشروعات التنمية وترسخ قواعدها كالبنك الصناعي والزراعي والتجاري . كنا نسير بطريقة هادئة وخطوات معقولة في تلك الفترات السياسية وكان يمكننا ان نبدأ خطوات الطفرة الإقتصادية والتنموية الكبيرة لنصل إلي المستويات العالمية . لكننا تراجعنا بعد نهاية عقد السبعينات تقريبا” ، بل بدأنا في تدمير ما حققناه وحتي ماحققه البريطانيون من مشروعات خاصة بعد عام ١٩٨٩ ( عام الإنقاذ المشهور ) ! رغم إمكانيات البلاد الهائله من الأراضي الشاسعة والخصبة ومياه الأنهار العديدة والمياه الجوفية ومناسيب الامطار العالية في كثير من مناطق السودان ، وما يختزنه باطن الأرض من معادن ونفط وموقع البلاد المتميز علي الخريطة الإقليمية وكوادر بشرية مؤهلة تفوق في حجمها وتأهيلها ما لدي الكثير من الدول العربية والإفريقية من حولنا . لقد كانت كل تلك الكيانات التي ذكرناها تتمتع بالخبرة وإتقان العمل والنزاهة . ولا احد يستطيع ان يكابر علي ذلك فقد عشنا تلك الأيام وساهمنا فيها كمسؤولين كبار في خدمتها المدنية وكنا شهودا” علي ذلك . نقول ذلك في حق تلك الفترة بعيدا” عن التعميم المخل الذي درج علي قوله وتكرراه بعض السودانيين وإدعائهم بأن تاريخنا المعاصر بعد الإستقلال كله فشل . يقولون ذلك إما جهلا” أو غرضا” . ثم حل التدهور الحقيقي بعد عام ١٩٨٩ المشهور والتغيير السياسي الإنقلابي الذي أطلق عليه أصحابه ( ثورة الإنقاذ ) وبعده شهدت البلاد التراجع الحقيقي خلال الثلاثين عاما” الأخيرة وفقدنا حتي ما كان لدينا وورثنا إرثا” ثقيلا” بعد هذه السنوات الطويلة العجاف ويتمثل فيما نحن فيه الآن من محن ! إنه في رأينا الفشل المتعمد الذي لازم حياتنا السياسية والإقتصادية والإجتماعية فإنغمسنا في صراع خالي من مزايا العبقرية السياسية ذات الخيال والإبداع والصدق التي احيت كثيرا” من الأمم وهي لاتملك مقدرات بلادنا وبعضها كان صحراء يباب يترقرق سرابها مع وهج الشمس ! لم يتحقق حتي الحد الأدني من التوافق بين أبناء الوطن ونظرتهم لمستقبل البلاد ، لذلك لم نستطع ان نؤسس لدولة القيم والمؤسسات والخدمات . وبذلك فقد السودان مقومات الدولة الحديثة حتي اصبح الكثير من المواطنين ، وخاصة الذين عاشوا فترة الإستعمار ، يتسآءلون بل ويسخرون أحيانا” هل حقا” تركنا هذا الإستعمار البريطاني كالأيتام ولسان حالهم ربما يردد ليته تريث قليلا” ولم يغادر قبل الأوان !
أعذروني فانا أعزف علي تلك الأوتار القديمة من عودة لماضي أمجاد بلادنا المفقودة وما ذلك إلا لكي نسقطها عظة وعبرة علي الواقع الذي تعيشه بلادنا بعد أن سقطنا في الهاوية أملا” في أن يحيا هذا الوطن من جديد وتعود له أيامه وعافيته ، فالكتابة في المفقود بحسرة بخلاف عظاتها وعبرها ربما تكون أيضا” عزاء” في الإحساس لذلك الفقد !
لكن مع الأسف وبرغم ماسردناه كان هنالك خللا” بذوره تنمو في غفله منا خلال هذه الفتره من عمرنا السياسي المشرق والواعد . ذلك الخلل هي الايديولوجيه بشقيها اليميني واليساري وطموحات العسكر والصراع حول الهيمنه والنفوذ والسلطه حتي حلت الكارثه التي تعيشها بلادنا اليوم .
مشكلتنا في هذه البلاد الممتده بل قدرنا أننا شعب متعدد الأعراق والثقافات والبيئات لم يحسن قادتنا وساستنا الغافلون الجهله إدارة هذا التنوع الذي وجد في أقطار مشابهه لطبيعه بلادنا من دول العالم حولنا كالهند وهي أكبر نظام ديموقراطي في العالم وكندا وماليزيا وسويسرا التي أفلح القائمون علي أمرها في إداره هذا التنوع بالوعي وصدق الوطنيه ومظاهر الحكم الرشيد فساد تلك البلدان الأمن والاستقرار والتنميه وسعاده الإنسان . لم نستدرك أخطاءنا ونصحح الطريق بل تمادينا في ذلك الغي السياسي وحب الذات والشهوات حتي وصلنا إلي حصاد أفعالنا وسقطنا في الهاويه !
الآن نحن بين مفقود ونازح وأخبار موتانا خلال موسم الهجره ينعيها الناعي من مختلف أقطار النزوح . بلادنا دمرت تماما” وفقدنا مظاهر حضاره بنيناها بالجهد والعرق والصبر خلال المائه عام المنصرمه ، وياله من فقد وخساره وحسره وألم وحزن عظيم ! أصبحنا الآن وكأننا نجتر قول المعري شاعر معرة النعمان حسره علي ظلام عينيه الذي لا يرحل حين يقول :
عللاني فإن بيض الأماني فنيت والظلام ليس بفاني !
الآن من بذلوا أرواحهم ودماءهم واستعادوا الوطن فاللواء معقود لهم للقياده وإسدال الستار علي مظاهر ماضي سياسي بائس ووضع البلاد علي عتبات سلم جديد نحو التعافي والعبور والنهضه !
هذه خاطره من أحد أبناء وطنكم عاش مراحله السياسيه منذ الاستقلال دون تحزب وحتي التقاعد عن الخدمه وساهم بقدر ما هيأه له المولي سبحانه في خدمه بلاده في المجال الإداري والتنفيذي والأكاديمي وقد رأي في كلماتها ما قد ينير الطريق وينفع الناس .
السعوديه – منطقه القصيم ، مدينه بريده
٩/٤/٢٠٢٥



