الرأي والتحليل

محمد صلاح ابو رنات يكتب: السودان وفرصة كسر عظم الإمارات

ما جرى في اليمن علامة فارقة على بداية فضح المشروع الإماراتي في الإقليم، ذلك المشروع الذي اعتمد على الحروب بالوكالة، وشراء المليشيات، وبناء النفوذ عبر المال لا عبر الشرعية أو العمق التاريخي. وإذا كان اليمن قد شكل ساحة الاستثمار الأكبر للإمارات خارج حدودها، فإن السودان كان ولا يزال الساحة الأخطر والأكثر حساسية في حسابات أبو ظبي.
انسحاب الإمارات من اليمن، مهما حاولت تصويره كقرار سيادي، يعكس تراجعا قسريا بعد اصطدامه بحدود القوة الحقيقية في المنطقة. هذا التراجع لا يمكن فصله عن السودان، لان الأدوات التي استخدمتها الإمارات في جنوب اليمن هي ذاتها التي استخدمتها في دارفور ومناطق أخرى من السودان: مليشيا، مرتزقة، شبكات تهريب، ودعم عسكري ولوجستي غير مباشر عبر دول الجوار.
في السودان، لعبت الإمارات دورا محوريا في تغذية الحرب عبر دعم مليشيا الدعم السريع، مستخدمة مسارات معقدة تمر عبر تشاد وأوغندا والنيجر وليبيا، وجنوب السودان لتجنب الظهور المباشر وتحمل كلفة الاتهام السياسي. هذا النمط من التدخل هو ذاته الذي مارسته في اليمن، وهو اليوم مهدد بالفضح مع تراجع نفوذها الإقليمي وتضييق الخناق على خطوط الإمداد.
الخطير في الحالة السودانية أن المشروع الإماراتي لا يتوقف عند إشعال الحرب فقط، بل يتجاوزه إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للبلاد. دارفور بالنسبة لابو ظبي ليست ساحة نفوذ فقط، بل ورقة استراتيجية يمكن من خلالها تعويض خسائرها في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. لذلك فإن أي تأخير في مواجهة هذا المشروع داخل السودان يمنح الإمارات وقتا إضافيا لتعميق الفوضى ودفع سيناريوهات التقسيم والانفصال.
ما يحدث اليوم يثبت أن الإمارات ليست قوة قادرة على خوض مواجهة مباشرة، وأن نفوذها قائم على الفراغات والصراعات الداخلية. وعندما تبدأ هذه الفراغات في الانغلاق، كما يحدث الان في اليمن، تنتقل المعركة إلى ساحات أخرى أكثر هشاشة، وعلى رأسها السودان. ولهذا فإن السودان ليس ضحية جانبية، بل هدف مركزي في معركة إقليمية أوسع على الذهب والموانئ، والحدود، والقرار السيادي.
الأرقام الكارثية من قتلى ونازحين ومشردين ومتسربين من التعليم ليست أضرارا جانبية، بل نتيجة مباشرة لتدخل خارجي ممنهج، وفي مقدمته التدخل الإماراتي. هذه التضحيات لا يمكن أن تذهب سدى، والتاريخ لا يرحم من راهن على قوة مالية بلا جذور ولا عمق شعبي.
ما بعد اليمن يجب أن يكون مختلفا في السودان. فكما بدأ انحسار المشروع الإماراتي هناك، فإن استكمال المواجهة هنا بات ضرورة وطنية لا خيارا سياسيا. السودان، بثقله الجغرافي والتاريخي، قادر على أن يكون نقطة التحول التي تعيد رسم ميزان القوى في الإقليم، وتضع حدا لدور الدولة الوظيفية التي اعتقدت أن المال وحده يكفي لصناعة النفوذ.
المعركة لم تنتهى بعد، لكنها دخلت مرحلة جديدة. مرحلة كشف الحساب، حيث تدفع الامارات ثمن الدم السوداني، ويصبح الدفاع عن وحدة السودان ليس معركة داخلية، بل جزءاً من معركة الامة ضد التفكيك والهيمنة عبر الوكلاء.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى