
هذه القصة قصة واقعية من مآسي الحرب (السودانية السودانية) من بين آلاف القصص الأكثر مأسوية منها للمتابعة نرجو الرجوع لما قبلها أن لم تكن قد مررت عليه عزيزي القارئ الكريم.
(حين يصير الحلم جماعياً تُغلق أبواب السؤال)، لم تدخل الطالبة (ع ع ع) الجامعة وهي مترددة أو خائفة بل دخلتها بقلب مطمئن .. و روح صافية.
أحبت جامعتها منذ أيامها الأولى لا لأنها كاملة بل لأنها جديدة عليها والجديد حين يأتي في سياق العودة إلى الوطن يُقرأ دائماً بوصفه (أصالة) لا نقصاً .. و (الجديد شديد) كما يقول شباب هذا الزمان في بلاد السودان.
كانت هذه أول مرة تعيش فيها (ع ع ع ) تفاصيل الحياة السودانية و الجامعية بالشكل الجديد بالنسبة.. ويحمل شئ من المتعة والمعرفة.. زملاء من أنحاء مختلفة لهجات متداخلة.. وأحياناً غريبة عليها.. فالسودان بلد متنوع.. وهي جميلة ولدت وتربت خارج الوطن العريض لا تعرف (الورجقة) و(الجبون) ولا (التكل) و(البنطون) لا (السحارة و لا المحارة) لا (الكجار ولا الفضية ولا الحمار) نعم لا تعرف أن الحمار ليس حيواناً فقط بل هو جماد من ضمن تجهيزات غرف النوم.. وحتى في مجالها الطبي لا تعرف (العُوارة ولا الإشقدي ولا الوِردَة ولا خمة النفس ولا شحتفة الروح لا المَعقَّل ولا العندو أبو عديلات).. حياة جديدة بكل المقاييس.. محاضرات مكتظة أساتذة يحملون ألقاباً رنانة.. ومواد تحمل أسماء الطب الكبيرة.. والمريحة بالنسبة لها تشريح.. فسيولوجي.. باثولوجي.. وغيرها كانت كافية لتصنع القناعة عندها بانها في خطواتها لتكون طبيبة يشار لها بالبنان.
لم تكن تقارن و لا تعرف بماذا تقارن.. ومع من تقارن
لم يخبرها أحد أن الطب ليس اسماً ولا كتاباً بل ممارسة قاسية وطويلة وكانت تطمئن نفسها كلما لاحظت نقصاً أو ارتباكاً واعتبرت (هكذا هو الأمر هنا) فنحن لسنا في أوروبا
و(التدريب الحقيقي لاحقاً).
كانت تطمئن نفسها وتستمتع بالحياة الجديدة وتستكشف حياة أهلها في السودان.. تضحك حيناً وتبكي أحياناً.
في المقابل كانت أسرتها في الداخل والخارج تحتفي بها احتفاءً صافياً ابنتنا (ع ع ع) تدرس الطب في السودان..
ستتخرج طبيبة.. والطب في مخيلة الآباء وأهل السودان ليس مجرد مهنة بل مفتاح سحري يفتح أبواب الدنيا ويغلق أبواب الحاجة ويمنح العائلة مكانة اجتماعية لا تحتاج إلى شرح .
كان أهل الوالد يرون فيها امتداداً للحلم المؤجل و أهل الوالدة يرون فيها ضمان المستقبل القادم واستمرار الحياة الكريمة فوالدها ووالدتها تخرجوا في أرقى الجامعات عندما كانت الجامعات على أصابع اليد الواحدة.. ولها تصنيف عالمي و عربي.. قبل الجامعات والمعاهد الخاصة (المالية الواطة) والدرجات العلمية الرفيعة (الرفعت الناس السماء) بلا أعمدة علمية متينة.. أصبحت العلوم مجرد أسماء البروف فلان والدكتور علان.
في كل مكالمة في كل مناسبة كانت تُقدم (ع ع ع ) بوصفها الطبيبة القادمة وهذا يكفي.. وكانت تبتسم لا نفاقاً بل تصديقاً.. هذا الاحتفاء لم يكن ضغطاً مباشراً لكنه كان سوراً عالياً يمنع السؤال.. فحين يتحول الحلم إلى (ملكية جماعية) يصبح التشكيك فيه (جريمة عاطفية).. و كيف لطالبة شابة جميلة تحب جامعتها وتبذل جهدها وترى الفرح في عيون أهلها أن تقول (لست متأكدة مما أدرسه)؟.
كانت الجامعة دون صخب كثير تعزز هذا الشعور فمالكها البروف والوزير الكبير .
السنوات تمضي الامتحانات تُعقد النتائج تُعلن و الآلة الأكاديمية رغم هشاشتها تعمل و تُخرج الطلاب.. و ما دام الإيقاع مستمراً فإن الطمأنينة تتكاثر شيئًا فشيئاً أصبحت (ع ع ع) تدافع عن جامعتها.. ترى في بساطتها تحدياً وطنياً لا خللاً مؤسسياً.
وفي ضعف الإمكانيات تضحية لا خداعاً وكان هذا الدفاع جزءً من دفاعها عن نفسها وعن قرار العودة للوطن وجامعاته التي خرجت والديها و عن كل تلك المشاعر التي استثمرتها في الحلم .
مرت ثلاث سنوات كاملة وهي تشعر أنها تتقدم لم تشعر أن وقتها يُسرق بل كانت تظن أنها تبني شيئاً لكن ببطء.. كانت ترى زملاءها يجتهدون، يحفظون، يناقشون، ويتخيلون أنفسهم أطباء في مستقبل قريب.. و هنا تكمن خطورة الوهم حين يكون جماعياً.. أنه لا يبدو وهماً وحين يكون مريحاً يصبح محبوباً.
بلغت (ع ع ع) عتبة السنة الرابعة وهي مطمئنة بل فخورة.. لم تكن تعلم أن الطب الذي ظنت أنها تدرسه لم يبدأ بعد و أن ما كانت تعيشه ليس سوى تمرين طويل على الصبر لا على المهنة.. فالسودان على مدى السنوات كان ميدان لتمارين الصبر القاسية .
ثم جاءت الحرب لا لتقطع الطريق فحسب بل لتسحب الستار عن المسرح كاملاً وتكشف الكثير من الحقائق.
يتبع ،،،
mtalab437@gmail.com


