
كنت في أحد قروبات (أغنيات الطمبور) وقدمت نقداً موضوعياً في سلسلة مقالات لإحدى الأغنيات الجميلة للفنان عبد الرحيم ارقي وهي اغنية
*(عافي منك وراضي عنك سو رضايا)*
وهي أغنية تحمل قصة أم لا تريد ولدها أن يسافر عنها وتخلق المبررات التي تمنعه من السفر في مشهد يمزج بين الحنان والتعلق الذي يصل درجة الأنانية أحياناً.
لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن متوقعاً حيث واجهت نقداً عنيفاً وغير موضوعي ثم تمت إزالتي من القروب بعد أن رددت بهدوء وعقلانية و وجدت ردودي قبولاً عند بعض العقول الهادئة التي تفرق بين الهجوم والنقاش.
واليوم أعود لموضوع آخر من خلال أغنية طمبور أيضاً تتناول الأم وعلاقتها بالأولاد لكن من زاوية مختلفة بنكهة مختلفة …
الفنان الراحل عثمان اليمني رحمه الله فنان لطيف متفرد، اتخذ نهج (الرميات) قبل الأغنيات وهي لونية خفيفة فيها الكثير من الطرافة والذكاء الشعبي…
كان اليمني يُلقي الرمية فتثير الضحك و هي تحتاج التأمل .. تماماً كما يفعل شعراء (الحلمنيش) الذين يمزجون الجد بالهزل والسخرية بالحكمة والامثلة في (رميات)اليمني كثيرة تضيق بها المساحة …
ومن أشهر رمياته هذه الرمية التي تقول (وأرجو أن أكون قد نقلتها صحيحة كما حفظتها من الذاكرة)
*شحدت الله الكريم ينتم مرادي*
*أضوق قبض المواهي انا من ولادي*
*بعد داك يا البنيات أنا في أبوكن ماني فاضي*
*هو بيحسن لي الكلام وأنا عاد بقبل منو غادي*
رمية قصيرة لكنها تحكي رواية كاملة عن العلاقات الزوجية حين يكبر الأولاد وتبدأ الأدوار تتبدل داخل الأسرة.
فالأم هنا تتمنى من الله أن ترى أولادها موظفين يقبضون الماهية (الراتب) ويُرسلون لها جزءاً منه وهو حلم مشروع في ظاهره لكنها تربط تلك اللحظة بنوع من (التحرر من الزوج)!! في قولها :-
*(بعد داك يا البنيات أنا في أبوكن ماني فاضي)*
أي أنها ترى في تلك اللحظة خلاصاً من (التبعية الطويلة)
بل وتقول ساخرة:-
*(هو بيحسن لي الكلام وأنا عاد بقبل منو غادي)*
أي أنها حتى إن حاول الزوج إظهار المحبة والاهتمام، فلن تلقى منه إلا التجاهل لأنها (استغنت)..
وهنا رغم خفة الرمية نجد أنفسنا أمام قضية عميقة جداً وهل المال يمكن أن يغير ترتيب العلاقات داخل الأسرة؟
وهل يجوز أن يتحول العطاء المادي إلى ميزان للمودة؟
الرمية تعكس ما يجري في بيوت كثيرة بصمت حين تتحول العلاقة بين الزوجين من (مودة ورحمة) إلى حسابات ومعادلات مالية…
وحين تصبح (الماهية) هي رمز (السلطة الجديدة) داخل البيت و الأب الذي كان في المقدمة تراجع حين تراجع دخله والأم التي كانت في الظل تقدمت حين أصبحت تستلم التحويلات من الأبناء…
وقد تناولنا برود العلاقات الزوجية عندما يكبر الاولاد ضمن سلسلة مقالات بعنوان *(الذم بديل الدم فلنصدق النية)* يمكن للقارئ الرجوع لها علي الشبكة العنكبوتية
و بشكل عام في عمق الأمر هذه ليست حرية بل تحرر منقوص لأن العاطفة حين ترتبط بالماديات تفقد طهارتها الأولى…
إنها فرحة ممزوجة بمرارة فرحة الاستقلال ومرارة الوحدة وينعكس ذلك بشكل واضح علي العلاقات في الاسرة قال الله تعالى:
*وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً* وَرَحْمَةً
والسؤال أين المودة والرحمة إن أصبحت العلاقة بين الزوجين قائمة على من يصرف أكثر أو من يملك المال في النهاية؟
هذه الرمية وإن كانت ساخرة تُحذرنا أن لا نختزل العلاقات في (المصروف) وأن لا نزرع في الأبناء شعور أن أمهم في كفة وأبيهم في أخرى فالأم التي تربي أبناءها على الولاء لها ضد أبيهم تزرع بذرة خصومة في البيت قد لا تزول أبداً…
أجمل ما في هذا النوع من الاغاني الشعبية أنها تضحكنا ونحن لا ندري أنها تعرينا و المجتمع الذي يستطيع أن يضحك من نفسه عليه أيضاً أن يتعلم من نفسه.
ولعلنا حين نسمع هذه الرمية القادمة من عمق الطمبور نقول لأنفسنا ليست كل ضحكة فرحاً فبعضها تنبيه بلطف وذكاء…
وختاماً العلاقات وتعقيداتها في مجتمعنا تحتاج لدراسات عميقة فغالباً العلاقات الاجتماعية تعظم (الانا) وتلهث خلف الاستقلال لان البدايات خاطئة ومستمرة والحرب القائمة الان ليست من فراغ بل لخلل مجتمعي كبير (الانانية) محور ارتكاز فيه .. و اغلب الظن عندي ان مثل هذا الكلام (المر) لا يحبه اهلنا في السودان لكني لا اكتب ما يطلبه القراء ويصفقون له .. ونسأل الله السلامة
1/11/2025


