
عقب اندلاع الحرب في العاصمة القومية الخرطوم، وانتقال الحكومة الاتحادية بكامل مؤسساتها إلى مدينة بورتسودان، وُضعت ولاية البحر الأحمر أمام لحظة تاريخية نادرة، كان يمكن أن تعيد صياغة واقع الولاية سياسياً وخدمياً واقتصادياً لسنوات طويلة مقبلة.
لم يكن انتقال الدولة إلى بورتسودان حدثاً إدارياً عابراً فرضته ظروف الحرب فحسب، بل كان فرصة استثنائية مكتملة الأركان، لو أُحسن التعامل معها بعقل الدولة لا بعقل التسيير اليومي.
تحولت بورتسودان فعلياً إلى عاصمة إدارية مؤقتة لجمهورية السودان، وهو وضع لم تنله الولاية منذ نشأتها، وكان كفيلاً بنقلها من هامش الاهتمام إلى قلب القرار الوطني.
هذا الوجود الاتحادي الكثيف كان يمكن أن يُستثمر لمعالجة أزمات مزمنة ظلت تؤرق المواطن، وعلى رأسها أزمة الكهرباء التي لم تجد حلاً جذرياً، ومشكلة مياه الشرب التي تحولت إلى معاناة يومية بلا أفق واضح.
كما أن وجود مؤسسات الدولة العليا كان سانحة حقيقية لفرض أولوية الولاية في مشروعات البنية التحتية، ولفتح ملفات ظلت مؤجلة لسنوات بدعوى ضعف الإمكانيات أو غياب الدعم المركزي.
وخلال تلك الفترة، احتضنت بورتسودان رجال مال وأعمال، ودخلت إليها رؤوس أموال كبيرة، تبحث عن فرص استثمارية حقيقية ومشروعات تنموية واضحة المعالم.
غير أن هذه الأموال لم تجد بيئة جاذبة ولا خططاً مدروسة ولا رؤية تنموية متكاملة، فغادرت كما جاءت، وضاعت الفرصة كما تضيع المياه في رمال الصحراء.
والي ولاية البحر الأحمر الفريق الركن مصطفى محمد نور كان أمام اختبار تاريخي نادر، لكنه أخفق في استثماره، وأضاع فرصة قد لا تتكرر مرة أخرى في عمر الولاية.
ومع اقتراب موعد عودة الحكومة الاتحادية إلى الخرطوم خلال شهر يناير الجاري، يتكشف حجم الخسارة، وتبدو ملامح الندم واضحة بعد أن انقضت اللحظة الاستثنائية دون إنجاز يذكر.
اللقاء التنويري الذي عقده الوالي مؤخراً كان من المفترض أن يكون محطة للمصارحة والمكاشفة، وتقديم كشف حساب حقيقي للرأي العام حول ما تحقق خلال هذه الفترة الحساسة.
دخلت اللقاء متطلعاً إلى حديث بلغة الأرقام والإحصاءات، عن الكهرباء والمياه والخدمات، وعن حجم الموارد التي دخلت الولاية وكيف تم توظيفها.
لكن الحديث جاء مخيباً للآمال، وانحصر في دور المواطن في نظافة المدينة ومحاربة الظواهر السالبة، وكأن أزمة الولاية أزمة سلوك فردي لا إخفاق إدارة عامة.
خرجت من اللقاء محبطاً، وشعرت بأن الوقت الذي أُهدر في الاستماع يشبه تماماً الفرص التي أُهدرت خلال وجود الحكومة الاتحادية في بورتسودان.
الأخطر من ذلك أن اللقاء أكد بما لا يدع مجالاً للشك أن والي الولاية لا يمتلك رؤية واضحة أو خطة متكاملة لإدارة مرحلة استثنائية بحجم ما شهدته البلاد.
اللافت للنظر والمثير للاستغراب هو منع الوالي تصوير حديثه من قبل بعض الحاضرين الذين حرصوا على توثيق هذه اللحظة عبر هواتفهم الشخصية.
هذه الخطوة خلقت حالة من الاستياء وعدم القبول وسط الحضور، وفتحت باب التساؤلات حول أسباب هذا المنع، وما الذي يتخوف منه الوالي، ولماذا يهرب من عدسات الكاميرات.
في وقت يفترض فيه أن تكون الشفافية والتوثيق جزءاً أصيلاً من العمل العام، بدا هذا التصرف إشارة سالبة تعكس ضيقاً بالنقد، وخشية من المساءلة.
الولاية لا تحتاج إلى خطابات إنشائية، ولا إلى الهروب من الكاميرات، ولا إلى تحميل المواطن مسؤولية الفشل، بل تحتاج إلى قيادة تمتلك الجرأة على الاعتراف بالإخفاق قبل تبريره.
بعد مغادرتي اللقاء، عادت بي الذاكرة إلى فترة حكم الوالي الراحل محمد طاهر إيلا، الذي استطاع بموارد الولاية الذاتية أن يصنع حراكاً تنموياً حقيقياً رغم محدودية الإمكانيات آنذاك.
المفارقة المؤلمة أن بورتسودان اليوم كانت تملك فرصاً وإمكانات أكبر بكثير، لكنها عجزت عن تحويلها إلى إنجازات ملموسة بسبب غياب الرؤية وضعف القرار.
وكأن مشاريع التنمية التي عرفتها المدينة في الماضي قد دُفنت مع أصحابها، لتغيب الإرادة ويغيب معها الأمل في التغيير.
في خضم هذا المشهد القاتم، برز مفوض التنمية بولاية البحر الأحمر، الشاب حسن أونور أبو آمنة هييس، كنقطة ضوء محدودة، أدار اللقاء بصورة جيدة وأظهر حرصاً صادقاً على التغيير.
غير أن الجهد الفردي، مهما كان مخلصاً، يظل محدود الأثر إذا لم يجد سنداً سياسياً وقراراً تنفيذياً شجاعاً من رأس الهرم.
اللافت أيضاً أن غالبية الحضور كانوا من موظفي الحكومة والضباط الإداريين، وكان الأجدر أن يُخصص مثل هذا التنوير لاجتماع رسمي مغلق، بدلاً من تقديم خطاب باهت للرأي العام.
إن بورتسودان اليوم لا تعاني من شح الموارد، بل من سوء إدارتها، ولا تعاني من غياب الفرص، بل من إهدارها واحدة تلو الأخرى.
وما جرى خلال فترة العاصمة الإدارية المؤقتة سيظل شاهداً على كيف يمكن للحظات التاريخية أن تمر بلا أثر، حين تغيب الرؤية، ويضيع القرار، وتُهدر الفرصة التي لم تكن لتتكرر.


