الرأي والتحليل

محمد عثمان الرضي يكتب: عندما يُكمَّم الفن وتُهان الصداقة: من الذي قرر إلغاء حفل الأوبرا في بورتسودان؟

كان من المقرر أن تحتضن قاعة السلام بأمانة حكومة ولاية البحر الأحمر بمدينة بورتسودان، اليوم الأربعاء 31 ديسمبر 2025، حدثاً فنياً وثقافياً استثنائياً تمثل في حفل نجوم الأوبرا المصرية، بعد أن اكتملت الترتيبات، ووزعت رقاع الدعوة رسمياً عبر اللجنة المنظمة، وأُعلن الحدث بوصفه رسالة دعم وتضامن في لحظة وطنية دقيقة.
غير أن صباح اليوم نفسه حمل صدمة ثقيلة، حين فوجئ الجميع بإلغاء الحفل بقرار مفاجئ من السلطات، تحت ذريعة «دواعٍ أمنية» غامضة، ومن دون أي بيان رسمي، أو توضيح مسؤول، أو احترام لحق الرأي العام في المعرفة.
الإلغاء لم يكن مجرد قرار إداري عابر، بل صفعة مباشرة في وجه الفن، ورسالة سلبية للعلاقات السودانية المصرية، وإهانة صريحة لجهدٍ تضامني جاء من القلب في توقيت بالغ الحساسية.
ما لا يعلمه كثيرون أن الفنانين المصريين القادمين إلى السودان لم يكونوا في نزهة فنية، بل ألغوا التزامات وحفلات مقررة داخل مصر، واختاروا أن يكونوا في بورتسودان تحديداً، بدافع وطني وأخوي، دعماً للجيش السوداني في معركة الكرامة ضد مليشيا الدعم السريع.
بل إن بعض الأعمال الغنائية جرى إعدادها خصيصاً لهذا الحدث، لتكون رسالة معنوية للجنود في الميدان، وصوتاً فنياً مسانداً لدولة تخوض حرب وجود، لا حفلاً للترف أو اللهو كما قد يتوهم أصحاب القرار المرتبكين.
الأدهى من ذلك أن السفير المصري في السودان، السفير هاني صلاح، كان في مهمة رسمية بالقاهرة، وتعرض لوعكة صحية طارئة ظل على إثرها يتلقى العلاج، لكنه قطع زيارته وعاد إلى بورتسودان، تقديراً لأهمية الحدث، وحرصاً على الحضور والمشاركة في هذه الرسالة الرمزية الكبيرة.
فأي عبث هذا الذي يجعل دولة صديقة، وفنانين داعمين، وسفيراً متفانياً، يقفون جميعاً أمام باب مغلق بقرار غامض لا صاحب له ولا مبرر مقنع؟
ما الذي يمنع الفنانين المصريين من الغناء في بلدهم الثاني، وهم الذين وقفوا معنا في أحلك الظروف، سياسياً ودبلوماسياً وشعبياً، ولم يبخلوا علينا بالدعم في وقت عز فيه الناصر؟
ومن الذي اتخذ قرار الإلغاء؟
ومن هي الجهة التي تجرأت على وأد هذا الحدث؟
وهل صدر القرار من مجلس السيادة أم مجلس الوزراء أم جهة أمنية مجهولة؟
ومن الذي يملك حق تقدير «الدواعي الأمنية»؟
ولماذا لم يُخاطَب الرأي العام بشفافية واحترام؟
منظم الحفل الشاب الهميم قائد الدبلوماسيه الشعبيه بين البلدين الاستاذ عوض بكاب مطالب اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بتمليك الشعب السوداني الحقائق كاملة، دون مواربة أو تجميل، لأن الصمت في مثل هذه القضايا تواطؤ، والغموض خيانة لثقة الناس.
المفارقة المؤلمة أن القاهرة، قبل أيام فقط، فعّلت اتفاقية الدفاع المشترك مع الخرطوم، وأصدرت بياناً شديد اللهجة في دعم السودان، واستضافت اجتماع دول الجوار لتوحيد المواقف الإقليمية خلف استقرار السودان.
فماذا لم تفعل مصر للسودان حتى نكافئها بهذه الطريقة الفجة؟
كان الأجدر بنا أن نحتفي بالموقف المصري، وأن نبادل الوفاء بالوفاء، لا أن نصفع الصديق، ونعض اليد التي امتدت إلينا في زمن الانكسار.
أكثر من خمسة ملايين سوداني يعيشون اليوم في أرض الكنانة، آمنين، مكرمين، يجدون ما لم يجدوه في كثير من الأمكنة، فهل هذا هو رد الجميل؟
للأسف، ما حدث يكشف عن عقلية مريضة تدير بعض مفاصل الملف الخارجي، عقلية منغلقة، مرتعشة، تفتقر للحكمة، وتضر بالسودان أكثر مما تخدمه.
إن ما جرى ليس مجرد إلغاء حفل، بل سلوك سياسي أخرق، ورسالة خاطئة للعالم، ودليل إضافي على غياب التنسيق والرؤية داخل أجهزة الدولة.
مصر لا تستحق منا سوى الاحترام والتقدير، ولا يليق بالسودان أن يظهر بمظهر الجاحد أو المرتبك أو العاجز عن إدارة أبسط الفعاليات ذات البعد الدبلوماسي.
أما السفير هاني صلاح، فهو رجل عاشق للسودان، محب له، يعمل بإخلاص لتطوير العلاقات المشتركة، ويجتهد بصمت من أجل مصالح البلدين، ولا يجوز أن يُترك وحيداً في مواجهة قرارات تسيء لجهده وتكسر ظهر الدبلوماسية.
الخوف كل الخوف أن نكون، بأيدينا، قد فتحنا ثغرة جديدة في جدار علاقاتنا الخارجية، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه للأصدقاء، لا للأخطاء القاتلة.
وإن لم يُحاسَب من اتخذ هذا القرار، ولم تُكشف أسبابه الحقيقية، فإن القادم سيكون أسوأ، وستدفع الدولة ثمن عبث لا مبرر له ولا غطاء وطني.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى