الرأي والتحليل

محمد عثمان الرضي يكتب: نيابة المعلوماتية بين ضغط الواقع وحاجة الإصلاح

توجهت صباح اليوم الأربعاء الموافق السابع من يناير 2026 إلى مباني نيابة جرائم مكافحة المعلوماتية بحي المطار بمدينة بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة لجمهورية السودان، في زيارة هدفت إلى استكمال إجراء قانوني يفترض أن يكون بسيطاً وواضحاً.
جاءت زيارتي بغرض رفع حظر السفر الصادر بحقي على خلفية بلاغ مفتوح من قبل المدير العام السابق لقوات الشرطة الفريق أول شرطة خالد حسان محي الدين، وذلك بسبب انتقادي العلني لطريقة اختيار ضباط شرطة الجوازات للعمل بسفارات السودان بالخارج.
ذهبت إلى النيابة وأنا أعتقد أن المسألة لا تتطلب أكثر من تقديم طلب رسمي ومقابلة وكيل النيابة المختص، خاصة وأن الأمر لا يزال في مرحلة الإجراءات الأولية.
منذ الساعة السابعة والنصف صباحاً كنت متواجداً أمام مباني النيابة، رغم أن العمل الرسمي يبدأ في التاسعة، وقد بدا واضحاً حجم التكدس الكبير للمترددين من مواطنين ومحامين، في مساحة محدودة لا تتناسب مع طبيعة وحجم العمل.
عند بدء الدوام، لاحظت حالة من الارتباك في تنظيم الطلبات، وغياب آلية واضحة لفرز الملفات وتصنيفها، الأمر الذي أدى إلى بطء شديد في سير الإجراءات وتأخير غير مبرر للمراجعين.
تعتمد النيابة، حتى الآن، على أسلوب ورقي تقليدي في إدارة البلاغات والطلبات، وهو أسلوب لم يعد ملائماً في ظل طبيعة الجرائم المعلوماتية التي يفترض أن تُدار بوسائل حديثة وسريعة.
المتحري في البلاغ، المساعد شرطة عادل قادم، أوضح لي أن الإجراء المطلوب بسيط ويتمثل في مقابلة وكيل النيابة وكتابة طلب لرفع حظر السفر، وهو ما قمت به بالفعل.
عند مقابلة وكيل النيابة، طُلبت أوراق البلاغ من المتحري، إلا أن الأخير أفاد بأن الملف قد تم تحويله إلى المحكمة، وهو ما أثار تساؤلات مشروعة حول مسار الإجراء.
طلبت مستنداً رسمياً يثبت تحويل البلاغ إلى المحكمة، إلا أن النيابة لم تتمكن في البداية من تقديم أي وثيقة تؤكد ذلك، الأمر الذي أدخل الجميع في حالة من البحث والتقصي.
بدأت عملية تفتيش مطولة داخل مكاتب النيابة، وبطريقة بدائية تعكس ضعف أنظمة الأرشفة والحفظ، ما تسبب في إهدار وقت وجهد كبيرين.
بعد تدخل مباشر من رئيس النيابة وتوجيهه بضرورة البحث الدقيق، تم العثور على أوراق البلاغ داخل أدراج المتحري، ليتضح أن الملف لم يُحوَّل إلى المحكمة كما أُفيد في البداية.
هذا الموقف، رغم بساطته، يكشف حجم المعاناة التي يواجهها المواطن في متابعة إجراءاته القانونية، ويبرز الحاجة الماسة إلى تطوير آليات العمل داخل النيابة.
من خلال تواجدي، لاحظت أن غالبية البلاغات التي يتقدم بها المواطنون تتعلق بالتحويلات المالية الخاطئة وجرائم الاحتيال الإلكتروني، وهي قضايا تمس حياة الناس اليومية بشكل مباشر.
مثل هذه القضايا تتطلب سرعة في الحسم ودقة في الإجراءات، لما يترتب عليها من آثار نفسية ومادية على المتضررين.
غير أن الواقع الحالي لنيابة المعلوماتية، من حيث الإمكانيات المتاحة، يجعل من الصعب تحقيق العدالة بالسرعة والكفاءة المطلوبة.
تعاني النيابة من نقص واضح في الأجهزة التقنية، وعلى رأسها الحواسيب وأنظمة الشبكات، وهو نقص يحد من قدرتها على مواكبة طبيعة الجرائم الحديثة.
كما أن ضيق مباني النيابة وزيادة أعداد المترددين يخلقان ضغطاً نفسياً كبيراً على العاملين، ما ينعكس أحياناً على أسلوب التعامل مع الجمهور.
هذا الوضع يستدعي تنظيم دورات تدريبية متخصصة للعاملين في مجال التواصل مع المواطنين، إلى جانب تحسين بيئة العمل نفسها.
يضاف إلى ذلك أن عدد وكلاء النيابة العاملين في نيابة المعلوماتية محدود جداً، مقارنة بحجم البلاغات التي ترد إليها بشكل يومي ومستمر.
وهي النيابة الوحيدة تقريباً التي تستقبل هذا الكم الهائل من القضايا المرتبطة بالتقنية والمال، ما يضاعف حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها.
وفي نهاية المطاف، وبعد رحلة شاقة من المعاناة، تسلمت قرار رفع حظري من السفر، وتم توجيهي بخطاب رسمي إلى الإدارة العامة للجوازات لرفع اسمي من قائمة المحظورين.
وحسب علمي، فإن إدارة القوائم والحظر التابعة لهيئة الجوازات والسجل المدني، بقيادة الفريق شرطة عثمان محمد الحسن دينكاوي، تستعد لمغادرة مدينة بورتسودان متوجهين للعاصمه القوميه الخرطوم وقد شرعت فعلياً في خلع الأجهزة والمعدات، الأمر الذي يثير القلق حول سهولة إنجاز المعاملات خلال هذه الفترة الانتقالية.
آمل أن تتسهل مهمتي غداً في إدارة الجوازات، وألا تتكرر التجربة القاسية التي عشتها اليوم في النيابة، وأن تمضي الإجراءات بسلاسة تليق بحق المواطن في الحركة والتنقل دون معاناة إضافية.
إن ما شهدته اليوم لا يمكن اعتباره حالة فردية أو استثناءً عابراً، بل يعكس واقعاً يحتاج إلى معالجة مؤسسية جادة.
الإصلاح المطلوب لا يقتصر على الأفراد، بل يشمل البنية التحتية، ونظم العمل، وزيادة الكادر العدلي، بما يضمن تسريع الإجراءات وحفظ حقوق المواطنين.
وتبقى نيابة المعلوماتية مؤسسة محورية في حماية المجتمع من الجرائم الحديثة، وهو ما يجعل دعمها وتطويرها ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى