
في الوقت الذي بدأت فيه الخرطوم تستعيد نبضها بعودة الحكومة لممارسة مهامها التنفيذية من قلب العاصمة، وانتقال الوزارات، وبدء مؤسسات الدولة في استئناف عملها، خرج محمد الفكي سليمان، القيادي في التحالف المدني الديمقراطي «صمود»، وعضو مجلس السيادة الانتقالي سابقًا، بتصريح لقناة الحدث أول أمس قال فيه:
“سكان العاصمة بحاجة للعودة إلى ديارهم، لكن الخرطوم لن تستقر إلا باتفاق سياسي بإشراف دولي عبر منبر الرباعية”،
في حديثٍ يعكس انفصالًا كاملًا عن التحولات الجارية على الأرض، ويعيد إنتاج خطاب الوصاية الخارجية تحت غطاء «الاستقرار».
هذا الحديث ليس حيادًا، بل تحييد سياسي مخزٍ، يساوي بين الدولة ومن يرفع السلاح ضدها، ويشوّه إرادة الشعب الذي بدأ فعليًا استعادة وطنه. فالحياد، وفق معايير الأخلاق، لا يعني المساواة بين من يحمي الدولة ومن يسعى لتفكيكها، ولا يبرّر تعليق الانتماء الوطني عند الخلاف السياسي، ولا يمكن أن يغطي طمعًا إقليميًا يسعى إلى موارد السودان تحت الذرائع الحقوقية.
هذا التصريح لا يمكن عزله عن السياق السياسي الأشمل، حيث تقف قوى حاولت الاستيلاء على الحكم عبر بندقية الدعم السريع في 15 أبريل 2023، مسنودةً بدعم إقليمي ودولي، مع قوى طامعة في موارد البلاد، خلف خطاب «حيادي» كما تدّعي، بينما تناصب العداء في الممارسة السياسية للمؤسسة التي تتحمّل عبء حماية الدولة في لحظة تهديد وجودي.
فالحياد، وفق المعايير السياسية الراسخة، لا يعني المساواة بين الدولة والمليشيا، ولا يبرّر تعليق الانتماء الوطني عند أول خلاف سياسي، ولا تحويل الوطن إلى مساحة رمادية بين شرعية الدولة وسلاح التمرّد.
ويكتسب هذا الجدل بُعدًا أخلاقيًا مضاعفًا في ظل توصيف منظمات حقوقية وصحافة بريطانية، ومفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان «فولكر تورك»، للحرب في السودان بأنها حرب «تُخاض بالوكالة طمعًا في الموارد الطبيعية». هذا التوصيف يضع كل موقف سياسي في ميزان أخلاقي واضح، حيث يصبح الانحياز أو ادعاء الحياد فعلًا سياسيًا محسوب المآلات، لا خطابًا مجرّدًا أو شعارات حقوقية معزولة عن الواقع.
وليس هذا الخطاب المراوغ جديدًا، بل يأتي في وقت تجاوز فيه السودان عمليًا منطق «الرباعية». فالدولة لم تعد تتعامل مع هذا المنبر باعتباره مرجعية سياسية أو إطارًا شرعيًا لإدارة أزمتها، بل أعادت تعريف علاقاتها الإقليمية والدولية على أساس السيادة والندية، رافضةً أي وصاية جماعية لم تنشأ بقرار أممي أو بتفويض من مؤسساتها الوطنية.
وبذلك نُزعت صفة الاحتكار عن هذا الإطار التآمري، وانتقلت الأزمة من كونها ملفًا مُدارًا من الخارج إلى مسار سوداني – إقليمي يعترف بأن ما يجري ليس نزاعًا داخليًا، بل معركة وجود ضد تمرّد مسلح مدعوم خارجيًا.
فالخرطوم لا تعود عبر المنابر أو الاتفاقات التي يُراد بها تمكين المليشيا وداعميها من جديد، بل عبر الإرادة الوطنية، وبسط السيادة، واستعادة الدولة لمكانها الطبيعي. ومن يصرّ على تعليق استقرارها على بوابة الخارج، إنما يؤجّل عودتها باسم السلام، ويقايض سيادتها تحت لافتة «الحياد».
ستظل هذه القوى السياسية المنبتّة، التي يمثلها محمد الفكي، تستحدث خطاب الهدم كلما رأى السودانيون دولتهم تستعيد توازنها ومكانتها، وكلما دبّ التعافي في أوصال الحياة الاجتماعية والسياسية والأمنية. فوجودها لا يتغذّى على الاستقرار واستعادة الأمن والتعافي، بل على الفوضى والانكسار، ولا يزدهر في ضوء الدولة، بل في ظلال المليشيا.
هؤلاء الناشطون، كما يصفون أنفسهم، لا يرهنون إرادتهم وحدهم، بل يحاولون رهن الشعب بأسره للطامع الإقليمي، ويقايضون السيادة بوهم «الشرعية الدولية»، ويستبدلون الانتماء الوطني بأجندات تُدار من خارج الحدود.
غير أن الدولة، حين تستعيد نفسها بإرادة وطنية، تُسقط أوهام الوصاية، وتُفشل رهانات الهدم، وتمضي — رغم النعيق — في طريقها نحو الخرطوم التي تعود بالتعافي والأمن، والوطن الذي ينهض بالتضحيات.
وفي هذا الإطار، يصبح كل حديث عن «استقرار مشروط بالرباعية» مجرد محاولة بائسة لإرجاع الساعة إلى الوراء، بينما الواقع على الأرض يؤكد:
«الخرطوم ليست ورقة للتفاوض المخزي»،
ولا إرادة الشعب قابلة للتأجيل أو المساومة، والسيادة الوطنية تُنتزع من الداخل، وتُفرض بالثبات والتضحيات، والقدرة على إعادة تعريف الاستقلال أمام العالم.
وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن الخرطوم لن تخضع للابتزاز من جديد، ولا يمكن لأي منصب أو منبر خارجي أن يعيد صياغة إرادتها أو يعلّق سيادتها.
الدولة استردت زمام المبادرة، والشعب بدأ استعادة وطنه، ومن يصرّ على الحياد المستحمر أو المجاملة البائسة، لن يكون إلا شاهدًا على هزيمته أمام إرادة الوطن الصلبة، والتاريخ الذي يُكتب بمداد القيم والدم.
دمتم بخير وعافية
السبت 31 يناير 2026م
Shglawi55@gmail.com



