
تقرير: هيثم موسى
تستعد حاضرة ولاية الجزيرة، مدينة ود مدني، لإحياء الذكرى الأولى لتحرير الولاية من قبضة مليشيا الدعم السريع المتمردة، في الحادي عشر من يناير 2025. وكانت القوات المسلحة قد استعادت الولاية بعد أكثر من عام من السيطرة، حيث دخلت المليشيا المتمردة إلى حاضرة الولاية في 18 ديسمبر 2024.

قصة التحرير
عبرت القوات المسلحة كوبري حنتوب، وانتشرت في المدينة، إلى جانب الدور الكبير الذي قام به المتحرك الغربي القادم من مدينة المناقل، في عملية عسكرية محكمة أعادت للمدينة روحها وأمانها.
وصول الوالي إلى قيادة الفرقة الأولى مشاة
عند تحرير مدينة ود مدني، كان والي الجزيرة الطاهر إبراهيم الخير قد اتخذ من مدينة المناقل عاصمة إدارية مؤقتة. تحرك إلى مدينة الحاج عبد الله التي سبق تحريرها قبل مدينة ود مدني، وأثناء وجوده هناك وصله نبأ دخول القوات المسلحة إلى ود مدني. وعلى الفور قرر التوجه إلى المدينة ليلا، رغم خطورة الموقف وتحذيرات الحرس الخاص بعدم التحرك، لكنه أصر على المضي.

بالفعل تحرك الوالي ليلا، وقضى ليلته في مدينة بركات داخل منزل كانت تتخذه المليشيا المتمردة مركزا لها. وبعد أن نُصب له كمين محكم، وبمساعدة متحرك مدينة سنار، نجا والي الجزيرة ومرافقوه من موت محقق. وفي الصباح واصل السير تحت حماية مسيرات متحرك سنار، ووصل إلى قيادة الفرقة الأولى مشاة، رغم تعرضه لنيران القناصة من المباني المجاورة للقيادة.
تعقيم المدينة
كانت أول خطوة شرع فيها والي ولاية الجزيرة الطاهر إبراهيم الخير هي إزالة مخلفات الحرب، حيث بدأ بتعقيم المدينة والمرافق الحكومية والأحياء السكنية باستخدام مادة الكلور، في حملة واسعة أعادت الطمأنينة للمواطنين.
عودة المياه
وفي الخطوة الثانية، نجح الوالي في إعادة تشغيل محطة مياه مدني الرئيسية، بعد توقف دام أكثر من عام نتيجة الدمار والتخريب الذي طال المحطة، بما في ذلك شبكات النقل الداخلية، ونهب المضخات، وتدمير الكوابل ومفاتيح الكهرباء، إضافة إلى تخريب بيئة المحطة.

استغرقت أعمال التأهيل والصيانة والنظافة أكثر من 20 يوما، بمشاركة أكثر من 70 مهندسا وعاملا، جسدوا من خلالها كفاءة وخبرة العامل السوداني. وبعدها تم تشغيل أكثر من 117 محطة مياه، وإمدادها بمنظومات طاقة شمسية.
وفي ذلك الوقت، أعلن المهندس مصعب عبد القادر بابكر، مدير الشركة السودانية لتوزيع الكهرباء بولاية الجزيرة، عن وصول 160 برميلًا من زيت المولدات اللازمة لتشغيل الخط الكهربائي الاستراتيجي بمدينة ود مدني. ويُعد تشغيل هذا الخط الاستراتيجي خطوة محورية في توفير الكهرباء لمحطة مياه ود مدني الرئيسية، فضلًا عن دعم المرافق الصحية والمؤسسات الحكومية. وبالفعل، عادت الكهرباء أولا إلى القطاع الحكومي، ثم تدريجيا إلى الأحياء السكنية داخل المدينة.
تأهيل المستشفيات
وفي سباق مع الزمن، استطاع والي الجزيرة، وبمساعدة بعض المنظمات العاملة ورجال الأعمال من أبناء الولاية المخلصين، تشغيل مستشفى ود مدني التعليمي، وتزويده بمنظومة طاقة شمسية، إضافة إلى إعادة تشغيل مركز ود مدني للقلب.
وظل الوالي في حراك دائم، ليل نهار، من أجل راحة المواطن، يراقب أداء المخابز، ويشرف على نظافة السوق الكبير، حتى تم افتتاحه مجددًا بعد إمداده بالكهرباء.
العودة الطوعية
أعلن الوالي عن بدء العودة الطوعية لمواطني المدينة من الداخل والخارج، حيث استقبل أفواج العائدين عند مدخل مدينة ود مدني على أنغام رائعة الشاعر إسحق الحلنقي، التي أضفى عليها الموسيقار محمد الأمين لحنا شجيا:

“لو وشوش صوت الريح في الباب، يسبقنا الشوق قبل العينين”.ولعل الجميع يذكر كيف كان العائدون يذرفون الدمع وهم يعانقون ديارهم مرة أخرى بعد غربة وشوق.
وإزاء تلك المشاعر الدافقة واشواق العودة، لم يقتصر دور الوالي في العودة الطوعية على مواطني الولاية بالداخل، بل وصل إلى تسيير رحلات للعائدين من جمهورية مصر العربية الشقيقة، حملت مايزيد من 120 أسرة من العاصمة المصرية القاهرة حتى مدينة ود مدني وقراها في رحلة امتدت لأيام. وكانت تلك العودة الطوعية، ولأول مرة، مصحوبة بوجبات غذائية وأدوية إسعافات أولية. وكان في استقبالهم بمباني أمانة الحكومة، حيث قُدمت لهم وجبة الإفطار في مشهد جسد قيم التكافل السوداني الأصيل.
وتسارعت المنظمات في تقديم المساعدات الإنسانية للعائدين، بمساعدة مفوضية العون الإنساني بولاية الجزيرة.

عودة التعليم والزراعة
كما أعلن الطاهر إبراهيم الخير بداية العام الدراسي في جميع المراحل، بعد أن تم توفير الإجلاس والكتاب المدرسي بجهد كبير من مطبعة الجزيرة التي نجحت في طباعة الكتاب المدرسي في زمن قياسي.
ولم يقف جهد الوالي عند هذا الحد، بل امتد إلى مشروع الجزيرة، حيث قام، بمعاونة محافظ المشروع، بتوفير التقاوي للمزارعين، وفتح قنوات الري. وقد حققت العروة الصيفية إنتاجية عالية في محصولي الذرة والفول السوداني، وها هي الولاية اليوم تنجح في زراعة محاصيل العروة الشتوية.

الجزيرة اليوم
الآن، وبعد عام كامل من التحرير، يمكن القول إن الحياة قد عادت إلى طبيعتها في ربوع الولاية. ينعم المواطنون في المدينة والريف بالخدمات الأساسية بعد عودة التيار الكهربائي، وعادت الأسواق إلى نشاطها المعهود، واستؤنف العام الدراسي، وعادت الجزيرة — كما كانت دائما — قلبا نابضا بالعطاء والإنتاج والحياة.



