الرأي والتحليل

وهج الفكرة.. د . أنس الماحي يكتب: «أرض الصومال» حسابات الجغرافيا السياسية وصراع المصالح في القرن الأفريقي

في خطوة غير مسبوقة أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسميًا بما يُسمّى «جمهورية أرض الصومال» التي أعلنت انفصالها من جانب واحد عن الصومال عام 1991، وهو اعتراف فجّر موجة واسعة من الغضب والإدانات العربية والإسلامية وأعاد تسليط الضوء على الصراع الجيوسياسي المحتدم في منطقة القرن الأفريقي ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة.
• ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن الأخير الاعتراف الرسمي بـ«أرض الصومال» باعتبارها «دولة مستقلة وذات سيادة»، رغم عدم اعتراف أي دولة عضو في الأمم المتحدة بهذا الكيان منذ أكثر من ثلاثة عقود. هذا الإعلان لم يكن مجرد موقف دبلوماسي معزول، بل خطوة محسوبة بدقة في سياق إقليمي ودولي معقد.
• صاحب الأعتراف الاسرائيليى بأرض الصومال أدانات من مصر والصومال وجيبوتي وتركيا إلى إدانة الخطوة الإسرائيلية، معتبرة أنها تمثل انتهاكًا صارخًا لوحدة وسيادة الأراضي الصومالية، وتهديدًا مباشرًا للاستقرار في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وأكدت هذه الدول أن الاعتراف بكيانات انفصالية يفتح الباب أمام فوضى سياسية وأمنية في منطقة تعاني أصلًا من نزاعات مزمنة.
• وتكمن خطورة «أرض الصومال» في موقعها الجغرافي الحساس، إذ تطل مباشرة على خليج عدن وتسيطر على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ، أحد أهم شرايين الملاحة الدولية، لا سيما بالنسبة لقناة السويس التي تمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد المصري والعالمي.
• منذ إعلان انفصالها عام 1991 عقب انهيار الدولة الصومالية والحرب الأهلية ظلت «أرض الصومال» تُعامل دوليًا كإقليم ذي حكم ذاتي ضمن الصومال الفيدرالي. غير أن التطورات الأخيرة، خاصة توقيع إثيوبيا مطلع عام 2024 مذكرة تفاهم مع الإقليم نقلت القضية إلى مستوى جديد من التصعيد.
• بموجب تلك المذكرة، تسعى أديس أبابا الدولة الحبيسة منذ استقلال إريتريا إلى الحصول على منفذ بحري وقاعدة عسكرية على البحر الأحمر عبر ميناء بربرة، مقابل الاعتراف الرسمي باستقلال الإقليم. هذا الطموح الإثيوبي التاريخي للوصول إلى البحر شكّل أحد أبرز محركات الأزمة وأثار غضبًا عارمًا في مقديشو التي اعتبرت الاتفاق «عدوانًا على سيادتها».
• في هذا السياق، يبدو الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» جزءًا من تقاطع مصالح واضح مع إثيوبيا فإسرائيل التي تسعى منذ سنوات إلى توسيع نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي ترى في الإقليم الانفصالي موطئ قدم استراتيجي يتيح لها مراقبة خطوط الملاحة الدولية، وتعزيز حضورها الأمني قرب باب المندب.
• أما إثيوبيا فتنظر إلى هذا الاعتراف باعتباره دعمًا سياسيًا دوليًا ولو محدودًا لمساعيها في كسر عزلتها البحرية، وتثبيت وجودها العسكري والاقتصادي على البحر الأحمر وهكذا تلاقت المصلحة الإسرائيلية في إعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي، مع المصلحة الإثيوبية في البحث عن منفذ بحري بأي ثمن.
• لا يمكن فصل هذه الخطوة عن السياق الأوسع للعلاقات المتوترة في المنطقة، خاصة في ظل الخلاف الحاد بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة فالقاهرة أعلنت مرارًا أن أمن الصومال ووحدته جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وأن أي وجود عسكري أو نفوذ إثيوبي على البحر الأحمر يمثل تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاستراتيجية.
• من هذا المنطلق يرى مراقبون أن الاعتراف الإسرائيلي قد يهدف إلى زعزعة التحالفات المصرية المتنامية مع دول القرن الأفريقي، وعلى رأسها الصومال وجيبوتي، وإشغال مصر بجبهات إقليمية متعددة، أو حتى مقايضتها سياسيًا في ملفات أخرى أكثر حساسية، مثل الحرب على غزة والقضية الفلسطينية.
• كما ان هذا الأعتراف قد يربك الحسابات المتوقعة فى السودان فبعد ان بات حميدTى متوقعا ضربات موجعة ، أصبح الوضع الأن مبشرا بأنشغال مصر فى عدة جبهات فغزة من جهة والأتفاق الذى لم ينجز بعد والإختراقات الاسرائيلية المستمرة للسلام ، وليبيا من الغرب وما زال هناك وجود للدواعش هذا بالأضافة الى اختراقات الحدودية من جنوب ليبيا وامداد حميدتى بالأسلحة، والأن قضية أرض الصومال.
• في الصومال رد حازم حيث أكدت الحكومة الصومالية، عبر بيان رسمي نقلته وكالة الأنباء «صونا» رفضها القاطع للاعتراف الإسرائيلي واعتبرته «خطوة غير قانونية وباطلة ولاغية لا يترتب عليها أي أثر قانوني أو سياسي بموجب القانون الدولي». وشددت على أن «أرض الصومال جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصومال الفيدرالية، ولا يجوز لأي طرف خارجي المساس بوحدة الدولة أو تغيير تكوينها الإقليمي».
• يبدو أن الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» يتجاوز كونه قرارًا دبلوماسيًا رمزيًا، ليشكل حلقة جديدة في صراع النفوذ في القرن الأفريقي، حيث تتقاطع مصالح إسرائيل وإثيوبيا في مواجهة تحالفات إقليمية قائمة، وفي مقدمتها الدور المصري المتنامي. وبينما ترفض الأغلبية الساحقة من المجتمع الدولي هذه الخطوة، تبقى المنطقة مرشحة لمزيد من التوتر، في ظل سباق محموم على الجغرافيا، والموانئ، ومفاتيح البحر الأحمر.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى