
في توقيت بالغ الحساسية، اختارت إسرائيل أن تشعل فتيل أزمة جديدة في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة، عبر اعترافها بـ«أرض الصومال» كدولة مستقلة، وإيفاد وزير خارجيتها جدعون ساعر في زيارة رسمية إلى هرجيسا في خطوة لم تكن معزولة عن سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، بل جاءت محمّلة بدلالات تتجاوز حدود القرن الإفريقي، وتمس الأمن العربي والإفريقي والدولي على حد سواء.
الاعتراف الإسرائيلي بإقليم انفصالي لا يحظى بأي اعتراف دولي، يُعد سابقة خطيرة وانتهاكًا صريحًا لمبدأ سيادة الدول ووحدة أراضيها، وهو المبدأ الذي يقوم عليه النظام الدولي الحديث لكنه في الوقت ذاته يكشف عن إستراتيجية اسرائيلية قديمة – متجددة، تقوم على اللعب على جميع الجبهات، وخلق بؤر توتر متزامنة، بهدف تشتيت الانتباه العالمي والإقليمي عن جوهر الصراع الحقيقي القضية الفلسطينية.
إسرائيل تدرك جيدًا أن القرن الإفريقي ليس مجرد هامش جغرافي، بل عقدة إستراتيجية تطل على البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب أي شريان التجارة العالمية وأحد مفاتيح الأمن القومي العربي خاصة بالنسبة لمصر ومن هنا، فإن الوجود الإسرائيلي سواء السياسي أو العسكري أو الاستخباراتي – في هذه المنطقة، لا يمكن فصله عن محاولات تطويق الدور المصري وإرباك الحسابات العربية، وخلق مصادر تهديد غير مباشرة.
التحذيرات العربية والإفريقية من احتمال إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية في «أرض الصومال» ليست محض تكهنات، بل تأتي في سياق سجل طويل من التمدد الإسرائيلي غير المعلن في إفريقيا تحت عناوين التعاون الزراعي أو الصحي أو الأمني، بينما الهدف الحقيقي يتمثل في إعادة رسم خرائط النفوذ، والتحكم في الممرات المائية، وبناء أوراق ضغط سياسية وعسكرية.
ما يجري في أرض الصومال لا يمكن قراءته بمعزل عما يحدث في غزة والضفة الغربية ولبنان ولا عمّا يُحاك لاحقًا تجاه إيران فإسرائيل بدعم غربي واضح، باتت تعتمد على إستراتيجية تعدد الأزمات، بحيث لا يبقى التركيز الدولي منصبًا على جرائمها في فلسطين، بل يتوزع بين ملفات متشابكة القرن الإفريقي، البحر الأحمر، اليمن ولبنان، وربما أمريكا اللاتينية.
لعل تصاعد الحديث فجأة عن القبض على الرئيس الفنزويلي، أو افتعال أزمات سياسية في مناطق بعيدة ظاهريًا عن الشرق الأوسط يثير تساؤلات مشروعة حول ما إذا كان العالم يُدفع عمدًا إلى الانشغال بسيناريوهات متفرقة، بينما تستمر إسرائيل في فرض وقائع دموية على الأرض الفلسطينية، بعيدًا عن الأضواء والمحاسبة، ولا مانع أثناء هذة الأزمات الأستفادة الأقتصادية عبر سياسة ترامب (الكاوبووي) أو كما يطلق على نفسه شرطى العالم.
الكاوبووي وهو فى الحقيقة سياسة أعتمدها السكان لقارة أمريكا الأوائل من سرقة اصحاب الأراضي الحقيقيين وقتلهم، ولعلى لا أبالغ أن قلت أنها نفس السياسة تماماً والعالم كله منبطح لها فهاهو يبارك لنتتياهو التوسع في الاستيطان.. فاسرائيل تواصل حربها المفتوحة في غزة، وتعيد ترتيب أوراقها مع لبنان وإيران وتفتح في الوقت ذاته جبهة جديدة في إفريقيا، وتخلق صدامًا دبلوماسيًا عربيًا إفريقيًا، يستهلك الجهد والوقت والانتباه.
إن ما يحدث في أرض الصومال ليس شأنًا صوماليًا داخليًا، ولا مجرد اعتراف دبلوماسي عابر، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من السياسات الإسرائيلية القائمة على تفجير الأزمات، وتفكيك الدول وإعادة توجيه بوصلة الاهتمام العالمي. والوعي بهذه الاستراتيجية هو الخطوة الأولى لمواجهتها، حتى لا تظل القضية الفلسطينية هي الضحية الدائمة في لعبة إلهاء كبرى تُدار على مسرح العالم.



