
مدني: ريهام الدقيل
شهدت ولاية الجزيرة خلال الأيام الماضية حراكاً جماهيرياً غير مسبوق وهي تحتفل بالعيد الـ71 للقوات المسلحة السودانية، حيث تحوّلت مدنها وقراها إلى مهرجان وطني مفتوح يزدان بالأعلام والأهازيج والشعارات التي تعبّر عن الوفاء للجيش. خرجت حشود المواطنين من مختلف الفئات والأعمار، رجالاً ونساءً وأطفالاً، ليجددوا العهد مع قواتهم المسلحة ويعلنوا وقوفهم صفاً واحداً خلفها في ما أسموه “معركة الكرامة” دفاعاً عن الوطن ووحدته.

يحتفل الجيش السوداني في 14 أغسطس من كل عام بذكرى تأسيسه، التي تعود إلى عام 1954 حين ورث السودان قوات دفاع السودان من الاستعمار الانجليزي المصري، وأطلق عليها اسم قوات الشعب المسلح قبل أن تتحول لاحقًا إلى القوات المسلحة السودانية. وخلال العقود الماضية، لعب الجيش أدواراً محورية في الدفاع عن سيادة البلاد، إضافة إلى مشاركته في عمليات حفظ السلام الإقليمية والدولية.

في قلب مدينة ود مدني، تزيّنت الشوارع والساحات بألوان العلم السوداني، وارتفعت أصوات الطبول والأغاني الوطنية التي امتزجت بروائح المأكولات الشعبية، فيما قدمت الفرق المسرحية والفنية عروضاً جسّدت تاريخ الجيش وبطولاته على مر السنين. وسار طابور الكرنفال الرئيسي بمشاركة واسعة من القوات النظامية والشرطة والدفاع المدني ووزارة الصحة والهلال الأحمر، إلى جانب مبادرات شبابية وفرق تراثية تمثل مختلف الثقافات السودانية، في لوحة أظهرت تنوّع البلاد وتماسكها رغم قسوة الظروف الراهنة.
وخلال الاحتفال، ألقى والي ولاية الجزيرة الطاهر إبراهيم الخير كلمة حماسية أمام الآلاف من المواطنين، أكد فيها أن الحرب التي تعصف بالبلاد كشفت معدن الشعب السوداني الأصيل، وجعلته أكثر التفافاً حول جيشه. وترحّم الوالي على أرواح الشهداء، وحيّا الجرحى والمصابين، مؤكداً أن تضحياتهم ستظل نبراساً للأجيال القادمة، ومشدداً على أن النصر آتٍ مهما طال أمد المعركة.
من جانبه، شدد قائد الفرقة الأولى مشاة اللواء ركن عوض الكريم علي سعيد على أن القوات المسلحة ستظل الدرع الواقي للسودان، وحامية أرضه وعرضه، ولن تتراجع عن واجبها الوطني مهما كانت التحديات. وأشاد القائد بالتلاحم الشعبي الذي أظهرته الجزيرة، معتبراً إياه مثالاً يحتذى به في باقي ولايات البلاد.

أما مدينة المناقل، فقد خطفت الأضواء بفعالياتها المميزة، إذ تحولت الليلة الجهادية التي أقيمت هناك إلى عرس جماهيري ضخم، عمّته الهتافات والتكبيرات، وشارك فيه المئات من الأهالي الذين حملوا الأعلام ورددوا الأناشيد الوطنية. هذا المشهد، كما وصفه الحاضرون، كان رسالة قوية بأن الجزيرة ليست مجرد ولاية مضيفة للجيش، بل هي سند وذراع قوية تسانده في الميدان.
المواطنون بدورهم عبّروا عن مشاعرهم بكلمات صادقة تنبض بالفخر والانتماء. يقول عبد الباقي عتيق، تاجر البطاطس في سوق ود مدني: “نحن مع الجيش قلباً وقالباً، وسنقف معه حتى يتحقق النصر”. و اضافة مهند عمران (سائق مركبة): “نحيي القوات المسلحة ونسأل الله أن ينصرها ويثبتها، ونحن خلفها حتى النصر”. بينما يؤكد عمر كباشي من ابناء ودمدنى: “نفدي الجيش والوطن بالروح والدم، ونتمنى أن يأتي العيد القادم ونحن نحتفل في مدينة الفاشر بعد تحريرها”.
ومع انتهاء الفعاليات، ظل صدى الأغاني الوطنية والهتافات يتردد في الأرجاء، وكأن الجزيرة أرادت أن تقول للعالم: إن السودان، رغم ما يمر به من محن، ما زال قادراً على التوحد تحت راية واحدة، راية العزة والصمود. لقد كانت احتفالات العيد الـ71 للقوات المسلحة في الجزيرة أكثر من مجرد مناسبة بروتوكولية؛ كانت تعبيراً حيّاً عن علاقة متجذّرة بين الجيش وشعبه، وعن إيمان راسخ بأن وحدة الصف هي السبيل لعبور المرحلة الراهنة نحو النصر والسلام



