الرأي والتحليل

محمد طلب يكتب: نصنع قَسّماً مِن حياة مَن لا يموت

العنوان أعلاه به دلالات لبعض الأخطاء واجبة الاستعاذة وصناعة التغيير، في مقالات سابقة تحدثنا عن الأخطاء الشنيعة المتعلقة بالذات الالهية، رغم أنها قد تكون غير مقصودة و اضحت عاااادية على الألسن، إلا أن من يعتبرون أنفسهم (ائمة ودعاة) و تصرف عليهم الأموال ويتقاضون الرواتب ويديرون الشؤون الدينية والأوقاف لا يقفون عند مثل هذه الأمور لكن وقوفهم عند الأوقاف كبيرا و كثيف وطويل و عريض ولن نخوض في طيبة وملايين الدولارات …و(دا ما موضوعنا) ….
وما استوقفني (كزول عنقالي ساااي) هو القسم الشعبي الشهير في حياة أهل السودان (وحاااات الله)
في اللهجة السودانية بالشارع والإعلام ووسائل التواصل كثيرًا ما نسمع عبارة:
(و حااات الله) وهي (و حياة الله)
تُقال في معظم الأحوال عند الغضب وفي الفرح وفي الود و عند التهديد حتى صارت قسماً يومياً لا يخلو منه مجلسا من مجالس السودان الرسمي والشعبي في الأنس وفي الجد وعند (الجودية) والجودية موضوع يحتاج أن نخصص له مقالات أخرى…
(وحااات الله) ليست مجرد لفظ إنها مرآة لعلاقة ملتبسة بين القداسة والعادة في وجداننا الشعبي مثلما بينا في مقال سابق عن المقولة الغبية ( الله ما خاطئ عليك) (وحااات الله) قسم ملتبس.
فحين يقول أحدهم (وحياة الله)، فهو يقسم بحياة الله، أي يجعل (حياة الله) محلًا للقَسَم.
لكن الله سبحانه وتعالى لا يُقسم بحياته، لأن حياته ليست شيئًا خارج ذاته، الناس حين يقولون (وحياة الله) لا يقصدون الحي الذي لا يموت، بل يقصدون (الحياة) ذات البداية والنهاية، أي جعلوا الحياة الإلهية محلًّا للقسم دون وعي بحقيقتها.
وهذا خلط كبير بين الصفة الإلهية والمعنى الإنساني للحياة.
وهنا تتجلى نفس الإشكالية التي تحدثنا عنها في مقالي (الله ما خاطئ عليك)، فاللسان السوداني (والعربي عامة) يتعامل مع الألفاظ الدينية ببراءة وحرارة عاطفية فقط دون وعي معرفي أو عقدي، مما يفضي إلى التناقض بين الإيمان والقول.
حتى من هم مكان( العلماء) عندنا عندما يستدلون بحديث:
(من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت).
فإنهم يستخدمون هذا الحديث كسلاح ينتصروا به على فئة أخرى من ذات الدين فلم اسمع يوماً لأكثر من نصف قرن من ينتقد قولهم (وحاااات الله) اطلاقاً لكنهم ينتقدون بقوة ملايين المرات من يقول (وحااات سيدي فلان) وهنا تكمن ازدواجية المعايرة واضطراب الوجدان الذي تحدثنا عنه كثيراّ.
لذا تسربت (وحااات الله) من الأيمان إلى الألحان لأن الكلمة وُلدت من عاطفة دينية مفرطة لا من وعي لغوي، مع عدم التنبيه لها من (العلماء) مع الإفراط في غيرها فقد تسللت إلى كل مفاصل التعبير في السودان، حتى وصلت إلى الغناء والفنون،حين غنى أحد الفنانين الشعبيين:
وحياة الله ورسول مكة… عيونك حلوة يا ملكة.
وهنا تبلغ الظاهرة ذروتها:
القسم بالله، ثم برسول الله، لمجرد التغزل في الجمال!
إنها لحظة تلتقي فيها المحبة الصادقة والخلل المفاهيمي،
حيث يختلط المقدس بالعاطفي، ويتحول القسم إلى لازمة موسيقية، كما أن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كبشر إنتفت بعد موته يغنيها الناس ويصفقون لها، والجمع بين حياة الله وحياة الرسول لمو يخطر ببالهم أنها في الأصل مخالفة شرعية دقيقة أنه غياب التنبيه و ازدواج الوعي
(العلماء في السودان) رغم كثرة ما كتبوا وخطبوا عن (القسم بغير الله) حتى في نقدهم لفنون الغناء ستجدهم يتطرقون مثلاً للقسم في اغنية عثمان حسين :
وحياة عيون الصيد الغاروا من عينيك
وحياة طهارة الريد الساجدة بين إيديك
أنا بشكي، أنا بشكي منك وليك
ويكفرون الشاعر والمغني و(نحن ذاااتنا)
لكن لن تسمع من أحدهم حديثاً صريحاً عن عبارة :
(و اااحات الله) أو (و حياة الله)
المنتشرة في الأرياف والمدن وحتى الشعر والغناء لأن الجملة في ظاهرها وجدوا اسم الله رغم أنه (جوة الجوة) تكمن الخطورة، فهم يتحدثون عن القسم بالأولياء، أو بالأنبياء، أو بالكعبة، فقط لإظهار أن خصمهم على باطل و على كفر، وهم على الحق لكنهم يتجاهلون أكثر العبارات حضورًا في الشارع والبيت والأغنية و كأنها أصبحت من (المستثنيات الشعبية) التي لا تُمس، رغم أنها أخطر لأنها تمرّ من دون وعي، فتُغرس في الأطفال منذ الصغر، حتى يصبح القسم بـ(حياة الله)أشبه بقولهم (والله العظيم).
إنّ التغاضي عن الخطأ حين يتخذ شكلاً جميلاً ومظهراً مقبولاً أشد خطراً من الجهل به فحين تتحول العبارة إلى جزء من الفن والتراث، تتمنّع عن النقد، لأن من ينتقدها يُتهم بأنه ضد (المزاج السوداني) أو (الذوق العام)، وإذا كان بالمزاج خلل وبالذوق علل، فلا بد من وجود من يدافع عن نقاء المعاني فالمفردات هي مواعين المعاني، و القسم الصحيح ومعناه الأعمق هو ما جمع بين النية الصادقة واللفظ الصحيح مثل:
(والله، أو تالله، أو بالله)
والأقرب إلى لسان أهل السودان هي جملة (والله العظيم) ولنكن صادقين دون الحاجة للقسم العظيم، فلقد أصبح القسم في حياتنا مرتبطا بالكذب فكلما كان الشخص كثير القسم أصبح الأقرب لكذب.. على المستوى الشخصي كلما سمعت شخصاً يقسم كثيراً تاكد لي أنه (كضاااب) …
ويمكن القسم عند الضرورة بصفات الله التي لا تُفهم إلا في ذاته كمثل (وعزة الله) أو (وجلال الله) لأنها مرتبطة به عز وجل ولا تنفصل عن الذات الالهية، بخلاف (حياته) التي قد تُفهم لغوياً كمفهوم زمني محدود ببداية و نهاية تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً بلا حدود.
فالإيمان الحق لا يحتاج إلى مبالغة لغوية، أو (حليفة كتيرة ومسيخة) بل إلى صفاء في اللسان والفكر، لأن الكلمة الخاطئة وإن بدت صغيرة تجر وراءها تصوراً باهتاً عن الذات الالهية، حين تُصبح عبارة (وحياة الله) قسماً في الحديث، بين القداسة والعادة ومطلعاً في الغناء، فنحن أمام دين لغوي شعبي أكثر منه فهماً عقدياً نقياّ.
وهذا ما يستدعي إعادة الوعي إلى الكلمات، فالكلمة هي أول درجات العقيدة، ومنها يبدأ الإيمان أو يتصدّع.
لذلك ليست القضية فيمن قالها، ولا في الفنان الذي غناها.. بل في الوجدان الذي لم يعد يفرّق بين القسم والتعبير.. ولا بين التعظيم والاعتياد.
فلتكن دعوتنا إذن لا بالمنع ولا بالتجريم بل بالتنبيه والوعي في أن نرتقي بلساننا ليعبر عن تعظيمنا لله، لا عن اعتيادنا على اسمه.
فـالله عز وجل لا تُقسم بحياته، لأنه هو الحياة نفسها وهو الحي الذي لا يموت..
عموماً أنا زول عنقالي أن أصبت فبفضل الله وأن كنت على خطأ فهو غرور شيطاني، و أسالوا عنه العلماء الأتقياء الأنقياء وفوق كل ذي علم عليم ….
ثم قولوا معاً لا للحرب.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى