
لم تعد بلاغات الرأي العام والنشر الصحفي مجرد إجراءات قانونية عادية، بل تحولت في واقعنا الراهن إلى أداة قمع صريحة تُستخدم لكسر شوكة الصحفيين وقادة الرأي العام.
فالحديث عن حظر سفر صحفي بسبب بلاغ نشر هو حديث خارج منطق القانون وروح العدالة، ويمثل انزلاقاً خطيراً نحو معاقبة الرأي لا الجريمة.
إصرار بعض النيابات على التمسك بحظر السفر في قضايا رأي يضعها مباشرة في قفص الاتهام، ويفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات مشروعة حول الغايات الحقيقية من هذا الإجراء.
هل المطلوب تحقيق العدالة؟ أم إسكات الأصوات المزعجة؟ أم إرسال رسائل ترهيب لكل من يفكر في الاقتراب من مناطق الفساد المحرمة؟
القانون واضح ولا لبس فيه: لا حظر سفر إلا في الجرائم الجسيمة التي تهدد الأرواح أو الأموال، وما عدا ذلك فهو تعسف مرفوض مهما كانت التبريرات.
بلاغات الرأي والنشر لا ترقى بأي حال من الأحوال إلى مصادرة حرية التنقل، ولا يجوز تحميلها ما لا تحتمل فقط لإرضاء خصومات شخصية أو جهات نافذة.
ومع كامل تقديرنا للدور المفترض للنيابة العامة في حماية المجتمع وإنفاذ حكم القانون، إلا أن هذا الدور يفقد مشروعيته حين يتحول إلى سيف مسلط على رقاب الأبرياء.
قاعدة “المتهم بريء حتى تثبت إدانته” ليست شعاراً للاستهلاك الإعلامي، بل أصل دستوري لا يجوز العبث به أو القفز فوقه.
اتخاذ إجراءات أولية لا يعني الإدانة، ومع ذلك يُعامل الصحفي وكأنه مجرم خطر، يُحاصر ويُمنع ويُقيد قبل أن يقول القضاء كلمته.
هذه ليست عدالة، بل إدانة مسبقة مغلفة بإجراءات قانونية مشوهة.
قادة وصناع الرأي العام ليسوا مواطنين عاديين في أدوارهم، وإن كانوا متساوين في الحقوق، فهم يحملون مسؤولية عامة، ومعاملتهم كمشتبهين دائمين إهانة لدورهم الوطني.
إن إنزال الناس منازلهم واجب، لا مجاملة، ومن العبث وضع الصحفي في ذات الخانة مع أصحاب السوابق والجرائم الخطرة.
نيابة المعلوماتية مطالبة اليوم قبل الغد بتصنيف البلاغات وفرز الجاد منها عن الكيدي، بدل فتح الأبواب على مصراعيها لكل من أراد تصفية حساباته.
فما يحدث الآن هو انفلات خطير، تُقبل فيه البلاغات بلا تمحيص، ثم تُتخذ إجراءات قاسية دون ميزان عدل.
الغالبية الساحقة من البلاغات ضد الصحفيين كيدية بامتياز، هدفها التخويف، والإرهاب النفسي، ودفع الأقلام الحرة إلى الصمت.
إنها بلاغات لا تبحث عن حق، بل تنتقم من كلمة، وتثأر من رأي، وتخشى الحقيقة.
وحين تصبح قرارات حظر السفر نتيجة طبيعية لهذه البلاغات، فإن النيابة – عن قصد أو غير قصد – تتحول إلى شريك في خنق حرية التعبير.
الأسوأ أن ثمن هذه القرارات لا يدفعه الصحفي وحده، بل يدفعه المرضى الذين حُرموا من العلاج، وأصحاب الأعمال الذين تعطلت مصالحهم.
ويُحرم آخرون من حضور مؤتمرات وورش ودورات تدريبية تمثل فرصاً وطنية لا تعوض، فقط لأن بلاغاً كيدياً وُضع على مكتب نيابة.
أي عدالة هذه التي تعاقب الناس قبل المحاكمة؟
وأي قانون يقبل أن تُشل حياة إنسان كاملة دون حكم قضائي؟
رسالتي الواضحة للنائب العام: هذا الملف لا يحتمل المجاملة ولا الصمت، بل يحتاج إلى قرارات شجاعة تعيد الأمور إلى نصابها.
نحتاج إلى وقف فوري لحظر السفر في قضايا الرأي والنشر، وتصنيف صارم للبلاغات، ومحاسبة من يستخدم القانون كسلاح انتقام.
فالعدالة الحقيقية لا تُدار بالعصا، ولا تُحمى بتكميم الأفواه.
وإذا استمر هذا النهج، فإن الخاسر الأكبر لن يكون الصحفيين وحدهم، بل دولة تُحاول أن تقف على قدميها وهي تكسر أقلامها بيدها.


