الرأي والتحليل

محمد طلب يكتب: (أريتك تبقى طيب)

المتابع لما أكتب يجدني ناغماً على الغناء السوداني ومتهماً له (في غير مرة ) بالمساهمة في تشكيل (وجدان مضطرب) لما يحمله في كثير من نصوصه من تمركز حاد حول الذات وانشغال دائم بـ(الأنا) على حساب الآخر…
لكن عنوان اليوم يعلن عن أغنية بدت للوهلة الأولى وكأنها تتخلى عن هذه الـ(أنا) وتسقط الذات وتمنح اهتمامها للآخر أكثر مما اعتدنا في أغنياتنا…
أغنيات الطمبور من أجمل أشكال الغناء السوداني وغالباً ما تُنسب خطأً إلى قبيلة بعينها .. بينما يدرك العارفون بأساطين هذا الفن وملوكه أن معظمهم لا ينتمون لتلك القبيلة أصلًا .. (فالطمبور) في جوهره تعبير عن ثقافة منطقة ممتدة .. تجمع قبائل شتى بين النيل وصحراء الشمال .. أنيس لياليها الطمبور .. و إيقاع الدليب .. وشجن الحكايات القديمة….
من هذا السياق نتناول اليوم نصاً يعدنا بالخروج من الذات ثم يتراجع .
كتبت كثيراً عن الغناء السوداني بوصفه غناء مشغولاً بالذات ممتلئاً بالأنانية العاطفية حيث يتمركز العاشق حول ألمه .. و يجعل من الآخر مجرد سبب أو ذريعة للبكاء والشكوى .. بل وأسقطت بعض هذه النصوص على الحالة الاجتماعية و السياسية ..
في معظم الأغنيات لا نكاد نجد اهتماماً حقيقياً بالآخر لذاته بل حضوراً طاغياً لـ(أنا) مجروحة .. لا ترى في الحب سوى انعكاس لمعاناتها الشخصية .. من هذا الموقع استقبلت أغنية (لا شوفتن تبل الشوق) لفنان الطمبور النعام آدم بفرح حقيقي لأنها في بدايتها على الأقل بدت وكأنها تشذ عن هذا النسق المألوف حيث تفتتح الأغنية بقولها :-
*لا شوفتن تبل الشوق ولا ردا يطمّن*
وهو مطلع يخلو تماماً من (الشكوى المباشرة) و يركز على الغياب من زاوية أثره .. لا من زاوية لوم الآخر أو تضخيم الذات .. ثم تأتي العبارة الأكثر دلالة على هذا الخروج المؤقت من الأنانية :-
*أريتك تبقى طيب إنت … أنا البي كلو هين*
في هذين السطرين يضع المتكلم المحبوب في مركز الخطاب ويهون من شأن الذات و نفسه صراحة .. الـ(أنا) هنا منزوعة الامتياز والحب يُقدم بوصفه عناية بالآخر لا مطالبة منه. هذا الموقف نادر في الغناء السوداني ولذلك كانت فرحتي عالية .. و تعمدت الغوص في النص .. وحسبته مغايراً على شاكلة القلة النادرة مثل (مسامحك يا حبيبي) غير أن هذا البناء لا يصمد طويلاً .. فمع تقدم الأغنية يبدأ الخطاب في الانزلاق بهدوء نحو الذات ويبدأ المتكلم في ندب حاله مباشرة، قائلًا :-
*قليباً لي رهيّف عارفو ما بيحمل حنيّن*
*إنت ما بيغباك حالو الفيهو كل البيهو بيّن*
*بقيت مالي غير أشعاري أكتبا فيك وأدوّن*
هنا تظهر الـ(أنا) المتروكة .. التي لم يعد لديها سوى الشعر لتعويض الفقد .. لم يعد الاهتمام منصباً على حال الآخر و لا على الدعاء الذي بدأ به النص *(أريتك تبقى طيب)* بل صار بكاءً صريحاً على الذات .. و يتأكد هذا التحول أكثر حين يقول:-
أقول يمكن تزيل ما بي واللا قليل تهوّن
وهنا يتجلى التناقض بوضوح .. فبعد أن أعلن المتكلم أن حاله (هين) ولا خوف عليه و غير مهم .. يعود ليطلب تخفيف ألمه ولو بالقليل .. و يتحول الآخر (دون تصريح) من موضوع (عناية خالصة) إلى وسيلة لتهدئة (الوجع الذاتي)…
في النصف الثاني من الأغنية تكتمل العودة إلى الذات تمامًا .. و تصبح الصور كلها انعكاساً مباشراً لألم المتكلم حتى الطبيعة من حوله تتحول إلى عنصر يزيد وجعه :-
*ومالكن يا قماري بتشدن إيش لازماً تغنّن*
*نغيماتكن تهيج أشواقي للعينين يبكّن*
ثم يناجي الطيور لا لذاتها، بل لخدمة ألمه:-
*بدّيكن وصية أمانة لي سيد روحي طيرن*
*ترا الحال العلي شفتنو قولن ليهو أحكن*
ويمضي النص حتى نهايته غارقاً في وصف الخراب وندب الذات وتحول العالم من حوله: –
*وأضحى محل خراب ما فيهو غير زهراً مضبلن*
*لا قمراً ظهر في سماهو، لا نجمات يضوّن*
العالم هنا يُبنى من داخل الذات الجريحة .. خراب، سماء بلا قمر .. و زمن متوقف على الانتظار:-
وكل ماليهو يتصبّر يقول أيام يعدن
يمنّي لنفسو بي لقياك واللا تردلو يمكن
وهكذا نكتشف أن الأغنية رغم بدايتها المختلفة تعود في نهايتها إلى المربع ذاته الذي اعتدناه في معظم الغناء السوداني .. مربع الـ(أنا) التي تبدأ متعالية على وجعها ثم لا تلبث أن تجعل منه مركز التجربة كلها ..
ليست المشكلة في ذاتية النص .. فالغناء العاطفي بطبيعته ذاتي .. و إنما في الوعد الذي قطعته الأغنية في بدايتها ثم تراجعت عنه فقد أوحت بأنها ستعتني بالآخر حتى النهاية لكنها سرعان ما عادت إلى الانشغال بالذات دون اعتراف صريح بهذا التحول.
ومع ذلك تظل أغنية (لا شوفتن تبل الشوق) للنعام آدم نصاً مهماً لا لأنه نجح في الخروج من أنانية الغناء السوداني بل لأنه كشف (من حيث لا يقصد) مدى صعوبة هذا الخروج حتى حين تكون النية صادقة والبداية مختلفة.
ختاماً عذراً لاهل الطمبور و لمحبي الأغنية و فنانها الجميل رحمه الله ..فهذه قراءة في زمن الحرب وغياب الوطن الحبيب
فلنتعالي على اي وجع ذاتي و أنانية .. و اخر قولي ما بدأت به عنواني
*أريتك تبقى طيب إنت .. أنا البي كلو هين*
يا وطني.
لا للحرب… نعم للسلام
mtalab437@gmail.com

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى