
( 1 )
في السياسة الدولية، لا تُقاس النيات بما يُقال علنًا، بل بما يُحضَّر في الغرف المغلقة. وما يتسرب اليوم من تقارير متضاربة عن اتصالات سرية وتهديدات معلنة وتحركات عسكرية غير مسبوقة يضع المنطقة أمام سؤال مركزي هل يتجه دونالد ترامب فعلًا إلى ضرب إيران، أم أننا أمام مسرح ضغطٍ استراتيجي لإعادة تشكيل قواعد الشرق الأوسط؟
( 2 )
أما التقرير الذى جاء فى واشنطن بوست منذ ساعات قليلة يقلب الموازين ويتحدث عن اتصالات سرية ما بين ايران واسرائيل تحمل رسائل حول الضربة الاستباقية الايرانية ، هذة الرسائل فى طياتها تطمين بعدم توجيه ضربات استباقية، وهي تقارير لا يمكن قراءتها بوصفها مؤشرات تهدئة بقدر ما هي إدارة للأزمة ومنع لانفلاتها خارج الحسابات.
( 3 )
إسرائيل أعادت فتح الملاجئ كما أكدت القناة ال 12 الاسرائيلية فى اكثر من مدينة اسرائيلية بناء على توقع اسرائيلى بضرب امريكا لايران ورفعت جاهزية جبهتها الداخلية أما إيران التي لوّحت لأول مرة باستهداف قاعدة “إنجرليك” الأمريكية في تركيا، وهي قاعدة امريكية مهمة جدا تضع بها امريكا رادارات مميزة ولكن ايران لا ترفع السقف إلا حين تشعر أن الرسائل الناعمة لم تعد كافية.
( 4 )
تري ما هي خيارات امريكا الحقيقية لللتعامل مع ايران وهل سيضرب ترامب إيران فعلًا ؟ أعتقد أن ترامب يرى فى تغيير النظام الايراني هو ابعاد المرشد عن الحكم مثل ما حدث في فنزويلا هو الحل الامثل وان يجعل رضا بهلوى هو حاكم ايران بالتبعية لأمريكا أو لنقولها بصراحة والى ايرانى لحساب الامبراطورية الامريكية ولكن هل التبعات لهذا التغيير ستكون سهلة أم ان الشعب الايراني سيتعامل مع رضا بهلوي أنه قادم على ظهور الدبابات الامريكية كحاكم لحساب ترامب وليس امريكا ولكن وعلى حسب معرفتى بالشعب الايراني التاريخية ارى ان الشعب الايرانى ليس محبا لأمريكا بسبب افعالها المستمرة.
( 5 )
استنادًا إلى المعطيات المتداولة، لا يبدو أن ترامب مترددًا في استخدام القوة، لكنه متردد في نوعها ومدى اتساعها فالرئيس الأمريكي، الذي لطالما قدّم نفسه بوصفه رجل الصفقات لا الحروب الطويلة، يدرك أن ضربة شاملة لإيران قد تفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها، من الخليج إلى المتوسط، ومن العراق إلى الداخل الأمريكي سياسيًا لكن الأرجح وفق قراءة موازين القوة والتكلفة، أن أي تحرك عسكري أمريكي – إن وقع – سيكون ضربة محسوبة ومحدودة، تستهدف مراكز قيادة للحرس الثوري، أو بنى اقتصادية وشبكات تمويل مرتبطة به، وربما مواقع رمزية ذات قيمة سياسية أكثر من كونها عسكرية.
( 6 )
ذلك بهدف تعميق أزمة النظام دون الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة ودون إيقاع خسائر مدنية واسعة قد تقلب الشارع الإيراني – حتى المعارض منه – ضد واشنطن / لماذا الآن؟ ولماذا بهذه اللهجة المتعنتة؟التعنت الأمريكي لا ينفصل عن تصور أوسع لـ شرق أوسط جديد تُعاد فيه صياغة مراكز القوة. فبعد إنهاك محور المقاومة، وإضعاف سوريا، واستنزاف لبنان، ومحاصرة إيران اقتصاديًا، تبدو واشنطن وكأنها تختبر الحلقة الأصعب قبل الانتقال إلى ما بعدها.
( 7 )
يبقي السؤال : تغيير النظام وهم أم خيار؟ .. يطفو على السطح مجددًا سيناريو تغيير النظام الإيراني سواء عبر دعم الاحتجاجات، أو عبر ضربات تُحدث تصدعًا داخليًا، أو حتى عبر شخصيات في المنفى مثل رضا بهلوي. غير أن هذا الخيار، رغم إغراءاته في العقل الأمريكي، يصطدم بحقيقة تاريخية أنالشعب الإيراني، مهما اختلف مع نظامه، لا يرى في الولايات المتحدة محررًا بل طرفًا ذا سجل طويل من التدخل والعداء.
( 8 )
أي نظام يُفرض من الخارج سيُرى على أنه جاء “على ظهر الدبابات الأمريكية”، سيعاني أزمة شرعية خانقة، وقد يفتح الباب لفوضى أخطر من النظام القائم. السؤال الأخطر ليس ما إذا كانت إيران ستُضرب أم لا لأننى أعتقد أنها سيتغير نظامه طالما ترامب فى الحكم، بل السؤال الأن ما الذي يلي إيران إن تم إخضاعها أو إنهاكها.
( 9 )
في ميزان الجغرافيا السياسية، لن يتبقى خارج معادلة الهيمنة سوى مصر وتركيا بوصفهما دولتين مركزيتين قادرتين على تعطيل المشروع الأمريكي–الإسرائيلي الكامل في المنطقة. أما الخليج فرغم ثقله الاقتصادي، فإنه يفتقر إلى القدرة الاستراتيجية المستقلة خاصة في ظل انقسامات داخلية ودور إماراتي بات أقرب إلى العمل خارج الإجماع الخليجي، بل وفي بعض الملفات ضده.
( 10 )
أرى أن ترامب قد لا يسعى إلى حرب، لكنه يسعى بلا شك إلى فرض واقع جديد بالقوة إن لزم الأمر. الضربة – إن حدثت – ستكون رسالة أكثر منها حربًا اختبارًا لإيران، وتحذيرًا لغيرها. أما الشرق الأوسط، فيبدو أنه يدخل مرحلة تُدار فيها الأزمات على حافة الهاوية، حيث لا أحد يريد الانفجار الكامل، لكن الجميع مستعد للعب على شفيره / في هذه اللحظة الرمادية، يبقى السؤال مفتوحًا هل تكفي الضربات المحدودة لإعادة رسم الخرائط، أم أن المنطقة تتجه – مرة أخرى – إلى فوضى أكبر من قدرة صانعيها على التحكم؟



