
أنا هنا لست فى مقام التذكير بالقيمة الوجدانية لاذاعة ام درمان فهذه الاذاعة تسكن خلايا واعصاب كل سودانى اصيل وكانت على الدوام منارة اجتماعية وثقافية وتعليمية ومجتمعية لا تخطئها الذاكرة فقد شكلت عبر تاريخها الطويل وعيا جمعيا متقدما وساهمت فى بناء الشخصية السودانية من خلال محتوى رصين ومتوازن واعتمدت على مكتبة اذاعية ضخمة تمثل ملخصا وافيا لتاريخ السودان بكل تنوعاته الثقافية والاجتماعية والفكرية فمنذ انطلاقتها فى العام 1940 ظلت اذاعة ام درمان مؤسسة وطنية جامعة تتجاوز الترفيه الى التعليم والتنوير وصناعة الذائقة
وبالتأمل فى خارطة برامجها القديمة نجد عناوين خالدة مثل دراسات فى القران الكريم ولسان العرب وصالة العرض واضواء على الحضارة السودانية وربوع السودان ومختارات الاحد وغيرها من البرامج التى اسست لهيبة هذه الاذاعة وخصوصيتها حيث المحتوى الراقى واللغة المتزنة والتقديم العارف والاخراج المحترف فكانت الاذاعة مدرسة حقيقية فى العمل الاعلامى الجاد
غير ان هذا الارث الجمالى والتاريخى الكبير اصبح اليوم اثرا بعد عين اذ ضاعت ملامح البرمجة تماما وغابت الدورة البرامجية الواضحة ولم تعد هناك برامج ذات اثر حقيقى وكل من يتابع الاذاعة حاليا يلحظ بوضوح فقر المحتوى وضعف الاعداد والتقديم والاخراج حيث حلت برامج بلا قيمة محل البرامج الجادة وغاب التخطيط وحضر الاستسهال بشكل مؤسف
صحيح ان البلاد تمر بظرف استثنائى وان دعم الجيش فى حرب الكرامة امر مهم ووطنى ولا خلاف حوله لكن الخطورة تكمن فى ان يتحول هذا الدعم الى خطاب ساذج خال من الوعى والتحليل فتصبح الاذاعة كالصديق الجاهل الذى يضر اكثر مما ينفع حيث تهيمن البرامج الهاتفية وتغيب الرؤية العقلانية ويغيب التنوع فى الطرح
واذا توقفنا عند برنامج جنود الوطن الذى يعده ويقدمه معتز الهادى كنموذج سنجد انه برنامج يومى ممل يكرر الافكار واللغة والضيوف والجمل ذاتها بشكل يجعل المستمع ينصرف عنه سريعا وكان الاجدى تكوين فريق عمل يتناوب على اعداده بدلا من تركه لشخص واحد بهذه الصورة الممجوجة التى لا تخدم حتى فكرة مساندة الجيش نفسها
من هنا يصبح من الضرورى ان يعيد الاستاذ ابراهيم البزعى النظر جذريا فى محتوى البرامج الحالية وطريقة اعدادها وتقديمها مع وضع خارطة برامجية واضحة المعالم والاهم عدم اغفال العودة الى برامج راسخة مثل ربوع السودان واضواء على الحضارة السودانية والتنقيب الجاد فى مكتبة الاذاعة واستثمارها لتقديم محتوى يليق بتاريخ ومكانة اذاعة ام درمان ودورها الوطنى الكبير.



