الرأي والتحليل

كر البلقاء.. َممدوح حسن عبد الرحيم يكتب: حكاية دكتور بله الصادق

الاستفتاح بالقرآن الكريم بركة والإقتباس من آياته توفيق وحكمة والوقوف عند معناها عظة وعبرة والكتابة عن دكتور بله الصادق حكاية بالتقسيط والجملة تبعث في القلب شوق ومحنه ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) الأحزاب ٢٣
الصدق في العهد طريقه شائك لا يتحمل وخز آلمه ووعورة دربه إلا أصحاب العزيمة وقوة الشكيمة
كنت عندما اقرأ كلمات الشهيد سيد قطب أراه كأنما يخاطب الجيل الذي يتقدم ركبه الدكتور بله( إلى الفتية الذين كنت ألمحهم بعين الخيال قادمين فوجدتهم في واقع الحياة قائمين الي هؤلاء الفتية الذين كانوا في خيالي أمنية وحلما فإذا بهم حقيقة وواقع حقيقة أعظم من الخيال وواقع أكبر من الآمال إلى هؤلاء الفتية الذين انبثقوا من ضمير الغيب كما تنبثق الحياة من ضمير العدم وكما ينبثق النور من خلال الكلمات )
كانت هذه الكلمات من الشهيد سيد في العام ١٩٥٤ وبعد خمس سنوات بالتمام وفي العام ١٩٥٩ ولد بقرية الصقيعة ريفي رفاعة طفل أبيض اللون كأنه البدر المنير شاخص بصره إلى السماء في حلم مستجير كأنما يقول للشهيد سيد إطمئن فقد انبثق هذا الجيل المستنير
في هذه القرية الوادعة التي لا يكاد يعرف اسمها أحد ولد فارسنا طفلا له سند حتى إذا بلغ سن الدراسة إلتحق بمدرسة العزيبة ثم رفاعة الأميرية ثم حنتوب الثانوية ثم أمدرمان الإسلامية كلية الدراسات الإجتماعية والاقتصادية تخصص محاسبة فتخرح فيها بإمتياز ثم كان الماجستير ثم الدكتوراة باطروحة بعنوان ( قياس الكفاءة التشغيلية في المؤسسات المالية غير الربحية )
وفي العام ١٩٨٣ إلتحق بالإدارة المالية بمصنع سكر الجنيد
وفي العام ١٩٩٠ إلتحق للعمل بديوان الزكاة مصنع الرجال والأفكار والعطاء والإبتكار وساحة البذل والإعمار ومدرسة الرسول المختار التي خرجت أعظم الرجال عمال الصدقة الأبرار والذين تم إختيارهم من فوق سماوات وصدر القرار ( والعاملين عليها ) فلن يدخلها إلا الأخيار الذين لا يعرفون الأعزار ويعملون ليلا ونهار
بدأت حكايته المباركة مديرا لزكاة محافظة البطانة فإحتل فيها مكانا ثم مديرا لمحافظة الدمازين ملء السمع والعين ثم مديرا لقطاع النيل الأزرق فإذا بالصبح قد أشرق فقد كانت هذه المحطات فترة إعداد واستعداد للإنطلاق
وفي العام ١٩٩٤ كلف كأول أمين لولاية سنار وهنا صقل الذهب بالنار وفي العام ١٩٩٦ أمينا لولاية جنوب كردفان فظهر الذهب من خلال الدخان وطاف فيها في كل مكان رغم قصر الزمان حيث نقل في العام ١٩٩٧ الي ولاية القضارف حيث الخير الوارف وفي العام ٢٠٠٠ كلف أمينا لولاية الخرطوم بلد الرئيس بنوم والطيارة بتقوم فجافي من عينه النوم وفي العام ٢٠٠٢ كلف أمينا لزكاة الشركات فحلت بالزكاة البركات وكل عام كانت في زيادة وقفزة بالزانات وفي العام ٢٠١٢ شغل وظيفة نائب الأمين العام للموارد البشرية والمالية فكان ترتيب الهياكل والضبط والحسم بالكلية وفي العام ٢٠١٤ أصبح نائبا للأمين العام للمصارف لأنه شخص عارف ومن ثم أمينا لديوان الزكاة ولاية الجزيرة في العام ٢٠٢٠ وأخيرا قبل المعاش مديرا عاما للموارد البشرية والمالية في العام ٢٠٢٣ هذا بإختصار ملفه السيار ذكرناه لمجرد التذكار وقطعا كان في طريقه شوك وورد وأزهار قد ذكرنا المواقع بالسنوات الطوال لندرك كيف تنقل فارسا دون امهال وكيف انه قد أدمن الترحال في كل حال ولم يلق عصاه رغم الإعصار الذي يهز الجبال فقد ظل ممسكا براية الأبطال خائضا كل غمار فوق فرسه وقد آثار من تحته غبار ونعم الغبار غبار النزال وكانت هنالك في سجله أعمال لم تكتب في ملفه السيار وهذا ما يعيب الخدمة المدنية ويجعل سجلها مجرد تقارير ميتة دون النظر لأهل البذل والإبتكار
ولكن مالم يكتب في ملف دكتور بله من أفعال قد سجلته الملائكة الأبرار ومنها على سبيل المثال قد كان الدكتور أول من بدا مشروع الدعوة الشاملة وكان علم فوقه نار وكان اول من بدأ مشروع تعظيم شعيرة الزكاة في ولاية الخرطوم قبل الأمصار وكان أول من بدأ الإفطار وكانت للعاملين عليها امان واستقرار وكان أول من إبتكر لائحة العمرة في امانة الشركات ونعم الإبتكار وكان اول من فصل عمل الزكاة عن أسواق المحاصيل ووفر لها مقار بقرار
وكان اول من أسس الشون لحفظ الزكاة في المفازة والحواتة في ولاية القضارف ذات الإعتبار وكان أول من سير متحركات الجباية في النيل الأزرق لمنع التهرب والفاقد الجبار وكان أول من وضع لائحة الإعسار ولقد امتد عطائه المدرار خارج سور الزكاة فكان مديرا تنفيذيا للحج بولاية الخرطوم فكانت سمعته لها اشتهار
وفي المجال الاكاديمي كان قبلة للشطار فقد كان مشاركا خارجيا لمناقشة أكثر من خمسة وثلاثين رسالة ماجستير
وإذا عدنا مجددا إلى ملفه السيار سنجد عجائب الدنيا ونفسح له فيها مجال فلم يشهد ملفه طوال عمله استيضاحا ولا عهدة مالية لم تزال ولم يتملك عربة حكومية كبقية العمال
بله الصادق اسم على مسمى صدق أقوال وجودة أعمال
كان جادا في عمله حرا في قراره دون احتكار
لا تراه إلا مشمرا وجاهزا في أحلك الظروف والأحوال ولم يتأخر عن واجب محال
لن تفقده حيث أمر ولا ترأه حيث حذر بل كان قدوة وأكثر لا يتكلم إلا إذا كان الكلام فرض عين عليه وتراه يتنزه عنه وان كان بين يديه فإنك تحسب إشاراته كأنها حبات عقد قد انتظم إذا نطق وتكلم كان إذا قال كفي وإذا وعد أوفى وإذا أوعد أشفي وإذا غضب حلم ولم يتشفي
إنك إذا رأيت ثم رأيت ترى الحكمة وفصل الخطاب وترى الوالد المهاب والعابد الآواب والطلب المجاب
ترى السكينة وتشعر بالأمان ويطمئن الوجدان
في سلك الإدارة تراه حاذق المهنة دقيق الصنعة حاضر البديهة شديد الإنتباهة فإن أكثرمافي صدقه وضوح العبارة وصريح الإشارة وقوة الكلمة وانتقاء الجملة فإنه لا يلقى الكلام عي عواهنه ولا يخفى باطنه
إنك إذا رأيت ثم رأيت فستري الرأي السديد والعقل الرشيد والكلام المفيد إنك لا تخرج من عنده خالي الوفاض فهو كالسحاب اما يظلك بعدله وحكمته وإما ان يمطرك بجوده وبسمته
عزيز النفس لن تنال منه شعره ولن تجد فيه ثغرة كان إن وجد فيك ما يكرهه يقول ( الله يهدينا ويهديك ) فتكسب الجولة وتفوز بالدعوة تراه شامخا في تواضع لا يرضي الدنية ويعدل بالسوية كان لا ينتصر لنفسه ابدا ويرى ذلك ضعفا فإن القائد عنده من يتحمل أكثر ويتجاوز عن خطأ البشر ويقبل من المعتزر مهما هدد وزمجر كنا نتشرف به امامنا نحمي ظهره ويحمي وجهنا فلم أرى في حياتي رجلا يقدر الإخاء ويحفظ السر ويرعي العهد مثله رغم قيادته وريادته لم تجده متصدرا مقعدا حزبيا ولا متعصبا قبليا ولا متشنجا فكريا بل كان زكويا فقد كان يرى ان الزكاة أوسع من الحزب وارحب من التعصب لذلك اتحدى من رأه متشنجا أو متحيزا فقد كان يمشي على صراط مستقيم ميمما وجهه شطر الزكاة ومسلما قلبه لرب السماء كنا نختلف معه احيانا في وجهات النظر وقد نري انه في هذا الأمر قد ضيق وقتر ولكن سرعان ما ينكشف عنا الغطاء فندرك انه كان يعرف الدواء ويوصف الشفاء
أحيانا نستعجل منه القرار ونرى انه ليس منه فرار فهذا أوان الإختيار فإذا بالله يغير الحال من حال إلى حال وندرك إنه لم يكن انكسار ولكنها فراسة الأطهار تنظر بعين الكبير المتعال بله الصادق مدرسة مكتملة الفصول قوية المناهج والأصول لها شروط للقبول
فصلها الأول أناقة الهندام وتنفيذ المهام واحترام العوام وتفقد الأيتام ومراعاة النظام
بله الصادق لا يكاد يسبقه أحد في التواصل فإنك تجده في المقابر وفي النوازل وفي المنازل
تجده دائما قبلك ولو حرصت صديقك وقربك وإن جافيت زميلك وندك وان تعاليت بله الصادق تأريخ ناصع عفيف اليد طاهر اللسان لم تعرف عنه سقطة ولم تنسب له تهمة ولم تصدر منه ذلة
حفظه الله نظيفا عفيفا شريفا وكان فضل الله عليه كبيرا وهو يلملم اطرافه ليغادر البيت الذي وهبه عمره وشبابه يغادر البيت الذي مكث في رحابه أكثر من بيته وأولاده الان يغادره وكل فسحة من أركانه تحمل زكريات مكانه وكل ذره من ترابه في وجدانه
هل بهذه البساطة سوف يغادر البيت الكبير من دون طلاق وبدون اسباب غير سن المعاش فهل سيترجل الفارس المغوار ويرضى بذلك
اخي دكتور بله أكاد لا أصدق وكنت قد رأيتك لأول مرة في العام ١٩٩٠م وأنت تتدفق شبابا وحيوية وأراك اليوم في العام ٢٠٢٣ وأنت تلملم أطرافك وتخفف عن اثقالك فقد كنت تحمل جبلا من الهموم
ها أنت الآن حر طليق ليس في ملفك عيب تخفيه ولا في حقيبتك تصديق تحمله ولا في بيتك عربة قد ورثتها من الديوان أخي بله تترجل من غير كل ذلك وقد ترجل دفعتك بدرجة الفريق أول
ولكنك تترجل دون حرس يحرسك ولا مخصصات تخصك ولا معاشا يليق بخدمتك ولكن يكفي انك ترجلت وان راضي
غادرت وانت في صحة وعافية وستر وقد اكملت المشوار حتى أدركت الشوط الأخير دون تقصير فإنه لايضرك بعدها انك لم تحمل من حطام الدنيا شيئ
تغادر وانت تلملم بقية ذكريات بدأتها في مكتب صغير
الآن الآن أرض الله الواسعة تقلك وسماء الرحمة تظلك وانفس نقية تجلك فأنت الفائز
تغادر وانت مرتاح البال واسع الخيال ينتظره أحفاد وعيال
تغادر ليرتاح هذا الجسد من الترحال
حفظك الله وأطال عمرك.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى