الرأي والتحليل

الكلام الدغري.. هشام احمد المصطفى ابو هيام يكتب: الشهيد رياض ود العشيو: ودعناك الله، وأهلك وعشيرتك يبلّغونك تحياتهم لتوصلها لسيدنا رسول الله وصحابته، وأنت روحك تصول وتجول بجواره

مدخل الوفاء: وداع لا يُنسى
لم يكن يوم رحيل الشهيد رياض ود العشيو يومًا عاديًا، بل كان يومًا توشّحت فيه السماء بالحزن والفخر. فقدنا بطلًا لا يُعوّض، فارسًا من زمن النبل والشرف، وأحد أبناء السودان البررة الذين ما توانوا يومًا عن البذل والعطاء. ودّعناه والقلوب مفطورة، والعيون تغالب الدموع، لكنه ترك فينا إرثًا من العزة والكرامة لا يُنسى.
في وداعه، توافدت الجموع من كل مكان، من مدن السودان وقراه، لكن أنظار الجميع كانت تتجه صوب “سرحان الشيخ تاي الله”، قريته التي أحبها حبًا صادقًا، وكان يذكرها في كل مجلس، ويتغنّى بترابها ومائها وناسها.

IMG 20250510 WA0184

أصل الحكاية: من سرحان خرج البطل
وُلد رياض وترعرع في “سرحان الشيخ تاي الله”، تلك القرية التي تحمل في اسمها الطهر والبركة، ونبتت بين أحضانها نخوة الشجعان. كان يقول دائمًا: “أنا ولد سرحان، ومهما مشيت الدنيا، قلبي بيبقى في ترابها.” ومن هناك بدأت حكاية الفداء.

نشأ في بيتٍ كريم، مليء بالحب والمروءة والتماسك، كان متعلّقًا بوالديه تعلقًا لا يُضاهى، وبارًا بهما في كل تفاصيل حياته. أما إخوته، فكانوا أصدقاءه الأقربين، لا يهدأ له بال إن مرض أحدهم، ولا تغيب الابتسامة عن وجهه إن رآهم بخير. كان يقول لرفاقه في المعسكر: “ما في زي حضن أمي، ولا ضحكة أخوي، لكن الوطن يناديني، وواجبي أمامه لا يقبل التراجع.”

IMG 20250510 WA0182

شجاعة لا تعرف التراجع
رياض، ذلك الشاب الذي نبت قلبه في سرحان وتربّى على نقائها، لم يكن يعرف للخوف طريقًا. في كل معركة خاضها، كان يُثبت أن الشجاعة لا تُقاس بالعُمر، بل بالموقف. كان يتقدّم الصفوف، يواجه الخطر بثبات، ويصنع من الرصاصة طريقًا للنصر.
في إحدى المعارك، حوصر مع وحدته، وكان القرار بالانسحاب، لكنه أصرّ أن يؤمّن خروجهم أولًا. قال لقائده: “أرسل الشباب وأنا آخّرهم.. الوطن ما عاوز دموع، الوطن داير رجال.” ظل يقاتل حتى استُشهد، وهو يسند ظهره إلى نخلة، كأنها من نخيل سرحان تُودّعه بحنينها الأبدي، وتمد ظلها عليه في لحظة البطولة والخلود.

IMG 20250510 WA0179

الشهيد العاشق: حبٌ لوطنٍ لا يُضاهى
لم يكن رياض مقاتلًا فقط، بل كان عاشقًا للسودان بكل تفاصيله. كان يقول إن حب الوطن ليس شعارًا يُردّد، بل موقف يُؤخذ. في كل مرة يعود فيها في إجازته، كان أول ما يفعله هو زيارة قريته، يُسلّم على ترابها، يُقبّل يد أمه، ويجلس مساءً تحت ظل النيم مع إخوة الطفولة، يضحكون على الذكريات ويتحدثون عن الوطن الذي يستحق الأفضل.
قال عنه أحد جيرانه: “ما شفت زول زي رياض.. كل مرة يجي البلد، يسأل عن الكبير والصغير، يزور المرضى، ويجيب معاه فرحة كأنها عيد.” وكان يُعدّ أيام الإجازة عدًّا، وكأنه طفلٌ ينتظر العودة إلى حضن أمه.

رسائل من الأرض إلى السماء
عندما رحل، حمّله الناس السلامات، وأخبروه: “يا رياض، قل للرسول إنّ السودان ما زال فيه رجال. بلّغ الصحابة إنّ الحق لا يزال حيًا في أرضنا، وإنّ القرى الصغيرة مثل سرحان تنجب أبطالًا بحجم الجبال.” ومضى رياض، يحمل حب أهله، ولهفة أمه، وشوق إخوته، وحنين قريته.
لك أن تتخيّل روحه وهي تحلق، تلتقي الأرواح الطاهرة، وتُخبرهم عن سرحان وناسها الطيبين، عن أم سودانية تنتظر الدعوات، وأبٍ فخور، وعن إخوةٍ يُقبّلون صورته كل صباح، ويعلّمون أبناءهم أن البطولة اسمها رياض.

IMG 20250510 WA0180

الشهيد الذي لا يُنسى
رياض لم يكن جنديًا فقط، بل كان مدرسة في الأخلاق والرجولة. لم يكن يعرف التفرقة أو الكراهية، بل كان قلبه يتسع للجميع. يُصلّي جماعة، يُساعد زملاءه، يربّت على كتف الضعيف، ويأخذ على عاتقه همّ الوطن وهمّهم. وعندما يُسأل عن حلمه، كان يجيب: “أشوف السودان واقف، مرفوع الرأس، وأشوف سرحان عامرة بالخير.”

في الذكرى والدعاء: رياض حيّ فينا
وإن مرّت السنون، وغيّبت الأيام الأجساد، فإن رياض سيبقى فينا حيًّا. سيظلّ أهل سرحان يذكرونه في كل صلاة، وسيتعلّم أطفال القرية أن الشجاعة لها اسم، وأن الحب الصادق للوطن يُجسّده شاب اسمه رياض ود العشيو.
ستبقى النخيل تهمس باسمه، وستبقى الأمهات يذكرنه بالدعاء. وهذا المقال، في حقيقته، ليس إلا رسالة وفاء لروحه الطاهرة، ولأمه الصابرة، ولأهله المكلومين، ولإخوته الذين لم يفقدوه، بل أصبح لهم شفيعًا وشاهدًا خالدًا في قلوب الجميع.

IMG 20250510 WA0183

خاتمة الوفاء: من سرحان إلى الفردوس
يا رياض، نم قرير العين، فقد أديت الأمانة، وبلّغت الرسالة، وأحببت وطنك وأهلك وقريتك بصدقٍ نادر. نحن هنا، نواصل على دربك، نروي قصتك للأجيال، ونُخبرهم أن البطولة لا تُشترى، بل تُولد من أرض طاهرة، اسمها “سرحان الشيخ تاي الله”.
وسلامٌ عليك يوم وُلدت، ويوم جاهدت، ويوم استشهدت، ويوم تُبعث حيًّا.

إليك قصيدة رثاء مؤثرة في الشهيد رياض ود العشيو، تُعبّر عن الحزن والفخر، وتتناسب مع روح المقال:

IMG 20250510 WA0181

رثاء في رياض ود العشيو
بقلم قلبٍ سوداني مفجوع وفخور
يا رياض يا زول المواقف والسِماح
يا الطالع من سرحان زيّ الفجر لاح
ودّعوك أمّك، وأبوك، والناس صباح
قالوا: شهيد… ودمعنا سايل مباح
يا فارساً فوق الشهادة كان يِميل
في درب الرجالة ما عرف يومًا يميل
قدّام الصفوف، رافع الراية الدخيل
وقلبك وطن… ما فيك خيانة أو بديل
زغردت أمك، والدمع في خدّها سال
قالت: رياض ما مات… دا عايش في الخيال
في سيرة شهيد، وسطور المجد طال
وربّ العرش يكرم مقامك في العُلا والآل
يا سيفًا اتشهر في وجه الخوف وقام
ويا علمًا نحنا نفتخر بيهو على الدوام
قدّمت روحك للوطن في عزّ الزحام
وسبت لينا تاريخ نظيف، ما فيه ملام
يا رياض، أُمّك تبكي وماها نادمة
تقول: ولدي طِلع من بين ناس كرامة
قدّامو الفردوس، وقبالتو سلامة
دا المات شهيد، فـ صلاتو كُلها إقامة
نم هانئًا في جنةٍ عسلٌ نضيد
نم بين صحابة، والملائك لك تشيد
نكتب حكايتك، ونتلوها للنشيد
رياض، يا زول الوطن، يا الزول الفريد

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى