
تقرير: هشام احمد المصطفى (أبو هيام)
في لحظةٍ تتكاثف فيها الغيوم على سماء الوطن، وتتعالى نداءات الواجب، جاء حضور اللواء الركن معاش بشير مكي الباهي، رئيس المقاومة الشعبية بالسودان، إلى الولاية الشمالية كنبضٍ وطني متجدد، ورسالةٍ قوية بأن السودان ما زال يقف شامخًا في وجه العواصف.
لم تكن الزيارة حدثًا إداريًا أو جولة بروتوكولية عابرة، بل كانت منعطفًا وطنيًا حقيقيًا أعاد إلى الأذهان صور التلاحم السوداني في أوقات الخطر، حينما تتقدم إرادة الشعب صفوف الدفاع عن الأرض والعرض والكرامة.
الولاية الشمالية… حصن الشمال ودرع الوطن
تُعد الولاية الشمالية واحدة من أكثر الولايات السودانية استقرارًا وأمنًا، لكنها في الوقت ذاته تقف على خط تماس استراتيجي يربطها بعدة ولايات تشهد توترات وصراعات، خاصة ولايات دارفور التي تعاني من آثار الهجمات والانتهاكات التي تقودها قوات الجنجويد والدعم السريع.
وفي ظل هذا الوضع الحرج، اكتسبت الزيارة أهمية مضاعفة، إذ جاءت لتؤكد أن الشمالية لن تكون بمعزل عن واجب الدفاع عن السودان، وأنها – رغم بعدها النسبي عن بؤر النزاع – تدرك تمامًا أن الأمن كلٌ لا يتجزأ، وأن سقوط أي بقعة من أرض الوطن هو انتقاص من كرامة الجميع.
رسائل وطنية عميقة
منذ لحظة وصوله إلى أرض الشمالية، حرص اللواء بشير مكي الباهي على توجيه رسائل واضحة وقوية، فحديثه كان مفعمًا بالثقة، يحمل بين طياته روح الجندية والانتماء العميق للوطن.

قالها بوضوح أمام الجماهير والقيادات:
> “الشمالية لن تُؤتى من خلفها، وأبناؤها سيظلون الحصن الذي يحمي الوطن من أي اختراق أو عدوان.”
تلك العبارة تحولت إلى شعار تعبوي يتردد في كل محلية من محليات الولاية، تعبيرًا عن الإيمان الراسخ بأن الدفاع عن السودان يبدأ من وعي أبنائه واستعدادهم للتضحية.
لقد أضافت الزيارة طاقة معنوية هائلة، أعادت الأمل والثقة في قدرة المواطن على أن يكون شريكًا فاعلًا في منظومة الأمن الوطني، وليس مجرد متلقٍ للقرارات أو الأوامر.
التعبئة الشعبية… ركيزة الصمود الوطني
أحد أهم مكاسب الزيارة كان إعادة إحياء روح التعبئة الشعبية في مجتمع الولاية الشمالية، الذي يتميز تاريخيًا بالانضباط والوعي الوطني.
فقد شهدت الأيام التي أعقبت الزيارة حراكًا واسعًا في صفوف الشباب والطلاب والعمال والمزارعين، الذين أعلنوا استعدادهم للانخراط في برامج التدريب والتأهيل والدفاع الشعبي.
وباتت ساحات التدريب ومراكز المقاومة تشهد يوميًا توافد المئات من أبناء الولاية وهم يرفعون راية السودان عالياً، هاتفين بشعار:
> “سودان العزة… لن يُهان، ولن نُفرط في شبرٍ من ترابه.”
إن هذا الوعي الجمعي يعكس أن التهديدات الأمنية لم تضعف الروح الوطنية، بل زادتها اشتعالًا وصلابة، وأكدت أن الشعب السوداني، مهما حاول الأعداء تفريقه، سيظل يلتف حول جيشه ومؤسساته الوطنية.
تجسيد لوحدة الصف الوطني
من المشاهد اللافتة في زيارة اللواء الباهي، اللقاءات التي جمعته بممثلي الإدارات الأهلية، والقيادات المجتمعية، والطرق الصوفية، والشباب، والمرأة.
فقد تحدث إليهم بلسان الصدق قائلاً إن المقاومة الشعبية ليست كيانًا سياسيًا أو حزبًا، بل هي “ضمير الأمة” وسياجها الحامي في مواجهة المؤامرات التي تستهدف السودان أرضًا وهويةً وسيادةً.
هذه اللقاءات عززت مفهوم الوحدة الوطنية في أوسع معانيها، حيث توحد الكل خلف هدف واحد هو حماية الوطن وصون سيادته.
وقد اتفقت كلمات الحضور على أن الولاية الشمالية ستظل الجبهة الهادئة التي تُمد البلاد برجالها وخبراتها وطاقاتها متى ما دعا الواجب.
أبعاد الزيارة الأمنية والتنظيمية
من الناحية العملية، حملت الزيارة بعدًا تنظيميًا مهمًا، إذ شملت اجتماعات تقييمية مع قيادات المقاومة الشعبية في الولاية الشمالية، لمراجعة برامج التدريب والخطط اللوجستية، وضمان الجاهزية في حال حدوث أي طارئ.
كما تم التأكيد على ضرورة تعزيز التعاون بين الأجهزة الرسمية والقطاعات الشعبية، بما يحقق مفهوم “الأمن المجتمعي الشامل” الذي تقوم فكرته على إشراك المواطن في حماية محيطه المحلي.
وقد أوضح اللواء بشير الباهي في حديثه أن المقاومة الشعبية تعمل وفق رؤية وطنية منسقة مع القوات المسلحة السودانية، وأن دورها الأساسي هو دعم الجهود الرسمية، وتأمين الجبهة الداخلية من أي تسلل أو نشاط تخريبي، خاصة في ظل الظروف التي تمر بها البلاد.
الولاية الشمالية… صمام الأمان في وجه العواصف
جغرافيًا وتاريخيًا، كانت الولاية الشمالية حاضنة الأمن والاستقرار في السودان.
وهي الولاية التي قدمت عبر تاريخها الحديث والقديم قوافل من الرجال الأبطال في ميادين القتال والإدارة والقيادة الوطنية.
واليوم، وهي تشهد هذا الحراك الشعبي والتعبوي، تؤكد من جديد أنها ستبقى صمام الأمان الاستراتيجي للسودان الشمالي، وقاعدة انطلاق لأي جهد وطني يهدف إلى استعادة الأمن في ربوع البلاد.
لقد نجحت الزيارة في إعادة توجيه البوصلة الوطنية، وتذكير الجميع بأن الشمال ليس بعيدًا عن الخطر، وأن الوقاية تبدأ من التماسك والوعي، لا من انتظار الخطر ليطرق الأبواب.
في مواجهة المؤامرة… وحدة الإرادة الوطنية
الواقع السوداني اليوم ليس سهلًا، فالقوى التي تسعى لتفكيك السودان وضرب نسيجه الاجتماعي تعمل على إشعال الفتنة بين المكونات، وإثارة النعرات الجهوية والقبلية.
لكن ما كشفته زيارة اللواء الباهي هو أن الوعي الشعبي قد تجاوز تلك المصائد.
فقد خاطب الرجل الناس قائلاً:
> “الذي يُقسم السودان هو الجهل والتفرق، والذي يوحده هو الوعي والولاء لله والوطن.”
كلمات بسيطة لكنها لامست جوهر المعركة: إنها معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح.
ومن هنا، فإن أكبر مكاسب الزيارة لم تكن في تنظيم الصفوف فقط، بل في إعادة شحن الوجدان الوطني، وبعث روح التضحية في نفوس الشباب الذين أصبحوا يدركون أن الدفاع عن الوطن لا يحتاج إلى أوامر، بل إلى قناعة داخلية نابعة من الإيمان بالانتماء.
التلاحم الشعبي… السلاح الأقوى
في زمن الحروب، تتهاوى بعض المؤسسات وتضطرب الموازين، لكن ما يبقى صلبًا هو إرادة الشعوب.
وهذه الإرادة كانت واضحة في ملامح أبناء الشمالية، الذين استقبلوا اللواء الباهي استقبال الأبطال، واحتشدوا خلفه يؤكدون استعدادهم للمضي في طريق الدفاع عن الوطن.
لم تكن تلك الجموع مجرد حشود، بل كانت صورة رمزية للوطن بأكمله:
الشيخ إلى جوار الشاب، والمرأة إلى جانب الجندي، والجميع يرفع علم السودان ويهتف للوحدة والكرامة.
هذا المشهد وحده كفيل بأن يبعث الطمأنينة في قلب كل سوداني يخشى على وطنه من الانقسام أو الضياع.
أصوات من الميدان
عدد من شباب الولاية الذين شاركوا في لقاءات المقاومة الشعبية عبّروا عن شعورهم العميق بأن الزيارة كانت “نقطة تحول” في حياتهم الوطنية.
قال أحدهم:
> “كنا نتابع الأحداث من بعيد، لكن الآن أصبحنا جزءًا من المعركة من أجل الوطن، وسنقف حتى آخر رمق.”
وقالت إحدى القيادات النسوية:
> “المرأة في الشمالية لا تقف في الصفوف الخلفية، بل هي جزء من المقاومة، تُربي وتُعدّ وتُساند.”
هذه الشهادات تعكس تغيّر المزاج العام في الولاية من المراقبة إلى المشاركة، ومن القلق إلى الفعل، وهي حالة وعي جمعي نادرة الحدوث إلا في اللحظات الوطنية الكبرى.
السودان في قلب الشمالية
الزيارة لم تكن مجرد شأن محلي، بل حملت رسائل وطنية شاملة تؤكد أن كل ولاية هي جبهة من جبهات السودان الكبرى.
فالشمالية اليوم تمثل العمق الاستراتيجي للسودان في الشمال، وهي القاعدة الآمنة التي يمكن أن تنطلق منها جهود الإسناد والتعبئة لبقية الولايات.
وفي الوقت ذاته، فإن رسائل اللواء الباهي وجّهت الأنظار إلى ضرورة توحيد الجهود على مستوى الوطن بأكمله، لأن الخطر الذي يهدد دارفور أو كردفان يهدد الشمالية والجزيرة والشرق على السواء.
الزيارة في بعدها المعنوي والسياسي
سياسيًا، تُظهر الزيارة أن المقاومة الشعبية أصبحت ركيزة من ركائز الدولة السودانية الحديثة، وأنها تتحرك بروح وطنية جامعة تتجاوز الحسابات الضيقة.
كما أنها تعكس إرادة الدولة في إشراك المواطن في حماية وطنه، بما يحقق مبدأ “الأمن بالمسؤولية المشتركة”.
أما من الناحية المعنوية، فقد أعادت الزيارة الأمل في النفوس، ورفعت الروح الوطنية في وقتٍ كان فيه الإحباط قد بدأ يتسلل إلى البعض نتيجة طول أمد الأزمة.
وقد نجح اللواء الباهي في أن يُحول الزيارة إلى منصة توحيدٍ وإلهامٍ ووعي وطني، تعيد للشمال وللسودان كله الثقة في أن المستقبل ما زال يُكتب بأيدي أبنائه.
الولاية الشمالية… جاهزة لنداء الوطن
مع ختام الزيارة، أكّد اللواء بشير مكي الباهي أن الولاية الشمالية بكل محلياتها أصبحت في حالة جاهزية واستنفار دائم، استعدادًا لأي طارئ أو تهديد يمس أمن البلاد.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تنسيقًا محكمًا بين الأجهزة الرسمية والقيادات الأهلية والمجتمع المدني، لتكون كل قرية ومدينة خط دفاع متقدم عن السودان.
لقد برهنت الولاية الشمالية، قيادةً وشعبًا، أنها جديرة بالثقة والمسؤولية، وأنها ستظل دائمًا الدرع الذي يحمي السودان من الشمال، والنبض الذي يُعيد له الحياة من جديد.
كلمات ختامية تعبّر عن جوهر الرسالة
> السودان لا يُحمى بالأسوار، بل بقلوب أهله.
والسوداني لا يعرف الانكسار، لأن في دمه نبض الصحراء ونيل العزة والكرامة.
والولاية الشمالية، بتاريخها ومواقفها، هي عنوان الصمود وقلعة النضال.
لن يمرّ المعتدون من حدودها، ولن يُخترق الوطن ما دام فيها رجالٌ يكتبون التاريخ بالفعل، لا بالكلمات.
هي زيارة للذاكرة الوطنية… زيارة لإحياء الضمير الجمعي… وزيارة لتجديد العهد بأن السودان باقٍ ما بقيت فيه روح المقاومة والإرادة.



