الرأي والتحليل

سليمان الطيب منير يكتب: حصاد القلم خلال النكبة والنزوح في السودان

هذه المجموعه من المقالات هي حصيلة الموضوعات التي كتبتها خلال النزوح والحرب وأنا مقيم بالسعوديه كنازح ونشرت على العديد من المواقع والمجموعات الاسفيريه وبعضها على بعض الصحف الإلكترونية (الراكوبة – مدنية نيوز – المسار – مجموعة ايمان الاخبارية) .
هذا المقال الذي هو الان بين يدي القارئ تتصدره عناوين هذه المقالات وتاريخ نشرها وليست المقالات نفسها وعددها (ستة عشرة) مقالا”. أما المقال الذي بين يديكم الان والذي أختم به مشوار رحلة قلمي وأنا نازح خارج وطني فموضوعه يدور حول نزوحي وأسرتي وحول النكبه والوطن والوطنيه وهو ما يشكل أساس ولب هذا المقال !
أنا أقر أن المقال طويل وأملي أن يصبر عليه القارئ ومن يرغب في نشره وأبشره بالفائده والمتعة ! لقد اضررت لهذا القول لانني أعلم أن الناس لا يصبرون علي القراءه في هذا العصر الا القليل وأجد العذر للكثرة الغالبه !
عناوين الموضوعات التي نشرت :
1 / خاطرة حول سودان الأمس واليوم 9/ 4/ 2025
2/ الحرب في السودان وحديث حول قريتين 8/ 5/ 2025
3/ رسالة لم تكتمل بسبب الحرب والنزوح في السودان 7 / 2 / 2024
4 / الكتابة في غرفتي بعد التقاعد وأشياء أخرى 19/ 9 /2024
5 / خواطر من المرحلة الثانوية في يوم رحيل (كابتن طيار) حسن عثمان بابكر رحمه الله بدولة الامارات خلال فترة النزوح وذكريات أيامي معه خلال المرحله الثانويه الذهبيه في السودان 4/4 / 2025
6 / الحرب والنزوح والعوده للتراب في السودان 25 / 4/ 2025
7 / نسخه جديده معدله لتعقيبي السابق حول ذكري ثورة مايو في السودان التي مرت علينا ونحن في حالة النزوح 30 / 5 / 2025
8 / نظره في واقع النكبه بين قوافي شعر البطانه والباديه لود ضحويه واستشراف لحظات الرحيل للاخره ! 5 / 9 / 2025
9 / من معاني العطاء هل تترك شيئا” وراءك ؟ ! 21/ 8/ 2025
10 / تعقيبي علي : ( خطرفات الحرب والسلام الحلقه رقم ( ١) حول الحكم المحلي والفدراليه وامكانية تطويرهما خلال المرحله القادمة للاستاذ مبارك صباحي ) 22/ 9 / 2025
11 / تعقيبي علي : ( خطرفات الحرب والسلام الحلقه رقم ( 2 ) حول نكبة الوباء التاريخيه التي اجتاحت العيلفون مطلع اربعينات القرن الماضي للاستاذ مبارك صباحي ) 23/ 9/2025
12 / تعقيبي علي : ( خطرفات الحرب والسلام الحلقه رقم ( ٣ ) حول النكبه التاريخيه الثالثه للعيلفون ( كتلة البطيخه ) للاستاذ مبارك صباحي ) _ ٢٤ / ٩ /٢٠٢٥
13 / اضافه مستحقه للوالد والوالده عليهما رحمة الله . ( فقد أطعماني حلالا” وربياني صغيرا ) _ ٢٧ / ٧ / ٢٠٢٥
14 / عثمان صباحي رحمه الله . كلمات في يوم رحيله _ ١٧/ ٩ /
٢٠٢٥
15 / الفكي عبد القادر أحمد سليمان . في ذكري يوم المعلم والتعليم في ربوع العيلفون .
16 / حصاد القلم خلال النكبه والنزوح في السودان .
هذه المقالات التي عددتها خلال فترة النزوح كنت لا أخطط لها بل هي وليدة لحظتها . كانت ترد لي عفو الخاطر رغم قراري الذي اتخذته بالتوقف عن الكتابه وأنا بمنزلي بالعيلفون وبعد صدور كتابي الثالث ( مسارات قلم في ظلال منتديات العيلفون ) وهو كتاب كبير يقع في خمسمائة صفحه حوي كل ما كتبته علي موقع ( منتديات العيلفون جنة عدن الالكروني ) خلال احدي عشرة عاما” (٢٠١٠ _ ٢٠٢٠ ) الذي أنشأه ابناء منطقة العيلفون بمدينة الرياض بالسعوديه وكذلك ما ظهر لي من مقالات علي بعض الصحف السودانيه . هذا الموقع الالكتروني كان يمثل ذراعا” اعلاميا”وثقافيا”واداة تواصل لاعضاء الجمعيه الخيريه لابناء منطقة العيلفون بالرياض والتي قدمت العديد من الخدمات والمساعدات المؤثره والملموسه لمنطقة العيلفون في المجالات التعليميه والصحيه وغيرها كثير مما لا يسمح المجال بحصره . غير ان هذا الموقع الالكتروني تراجع نشاطه واثره بعد ظهور افة ( الموبايل ) ! وما أكثر افات هذا العصر تتسارع تباعا” وكأنها في عجلة من أمرها ! لقد استغرق اعداد كتابي الذي اشرت اليه اربع سنوات من الجهد المضني تحت وطأة ظروف السودان المعروفه ومعاناتي في مواجهة تكلفته الماديه وانا موظف متقاعد وصلت أعلي درجات الخدمه المدنيه ومعاشي الشهري لا يكفي لاعاشة اسره لمدي اسبوع لولا عون اسرتي وبعض نفر قليل كريم من مواطني العيلفون مع تقاعس الكثير من الذين طلبت منهم المساعده سواء من يقيمون داخل العيلفون او بالخارج ! وقد مثل ما جاءني علي قلته عونا” لي لمقابلة نفقات طباعة الكتاب ! لم نهنأ بتوزيع نسخ هذا الكتاب الا القليل بسبب اندلاع الحرب والنزوح بعد شهور قليله من صدوره . تركت نسخه العزيزه علي نفسي بالمنزل ولا أدري هل لا تزال موجوده أم أن ما اصاب العيلفون والسودان اصابها هي ايضا” ! غير أنني علمت وانا في ديار النزوح ان افراد الدعم السريع دخلوا المنزل وخاصة الغرفه الاماميه للصاله التي يقيم بها ابني د . محمد وأخذوا ( الشاشه ) وبعض الاغراض الهامه وبعثروا محتوياتها علي الارض وحينما أتوا لغرفتي دخلوها ايضا”ورأوا بالداخل أحد ( السراير ) مليئا” بالكتب وبعض الاقلام والورق ولم يشتموا داخلها سوي رائحة صاحبها فانصرفوا عن الغرفه ! ألم أقل لكم كما قال نجيب الريحاني عبقري التمثيل في تاريخ السينما المصريه في اخر أفلامه عام ( ١٩٤٩ ) وكان يمثل دور معلم في هذا الفلم حينما سأله أحدهم عن مهنته فقال له عبارته الساخره ( لا .. أنا ولا حاجه .. أنا بتاع كتب ) !
أعود واقول توقفت عن الكتابه بعد صدور هذا الكتاب وكانت هذه هي نيتي لاسباب عديده منها تقدم العمر وما ترتب عليه من وهن وما بذلته في الكتابه طيلة مايربو عن العشرين عاما” بعد تقاعدي عن العمل ! وما كنت احس به احيانا” من غربه زمان ومكان حيث اصبح الناس لا يقرأون واكتفوا بادوات العصر ! واظنهم سوف يظلون كذلك حتي قيام الساعه الا من رحم ربي وهؤلاء قله من المرابطين ممن لا زالوا علي قيد الحياه من ايام الزمن الجميل ! زمن القراءه والمكتبات والثقافه وحركة النشر ! فلمن اكتب ولمن تدق الاجراس كما جاء في عنوان الروايه الشهيره للكاتب والروائي العالمي ( ايرنست همنقواي ) ! الا ان ظروف الحرب والنزوح وما حل ببلادنا أحيت في نفسي روح الكتابه واجبرتني علي التراجع عن قراري وامسكت بالقلم من جديد من أجل الوطن ! هي ظروف من شأنها ان تفعل في نفسي ما فعلت منذ اجتياح العيلفون في ذلك الصباح من يوم الخميس ٥ / ١٠ / ٢٠٢٣
خرج افراد اسرتي اليوم التالي صباح الجمعه ولم اخرج معهم من باب التريث وعدم الاستعجال في مغادرة العيلفون . خلال اليوم الثاني تمكن افراد الدعم السريع من أحياء العيلفون بما في ذلك جزء من ( أم قحف ) حيث أقيم . خرجت من منزلي ذات صباح لمنزل شقيقتي أم سلمه الذي يجاورني وكانت قد غادرت منزلها هي وبناتها خوفا” وكنت أرتب للمغادره ايضا” بعد ثلاثة ايام من مقاومة البقاء لانعدام أسباب الحياه كالماء والطعام ! وكنت أحمل معي جهاز ( اللابتوب ) الذي يخصني وبه كل حصيلتي من الكتابه خلال العشرين عاما”المنصرمه وكثير من المعلومات الهامه الاخري . فوجئت بمجوعه منهم أمامي كانوا يكسرون ابواب المنازل الخاويه من اهلها في الجوار ويستولون علي العربات . أوقفني قائدهم وشهر في وجهي سلاحه وأمرني بوضع جهاز اللابتوب علي الارض وسألني عنه واجبته بأنه جهاز كمبيوتر به حصيلة موضوعات كنت قد كتبتها خلال سنين عديده من عمري . استنكر هذا الرد وقال لي أيها الجواسيس انه جهاز الاستخبارات الذي ترشدون به الطائرات لضربنا ! وأخذه مني وما معي من نقود جملتها ( عشرون الف جنيه ) أمرني باخراجها من جيبي . كان همي كله منصبا” علي اللابتوب . حاولت بشتي الوسائل ان أقنعه بأن هذا الجهاز لا علاقة له بما ذكره وأنني مواطن عادي ولا صلة لي بما وصفني به ولكن دون جدوي ! ومن عجائب ما ختم حديثه معي أن قال لي لماذا لم تخرج وكل أهل العيلفون قد خرجوا ؟ ولم أجبه ! وهكذا ذهب معهم جهاز اللابتوب وكل جهدي وتعبي في الكتابه الي غير رجعه !
عزائي ان ما بداخل جهاز ( اللابتوب ) خرج في ثلاثة كتب بعد تقاعدي وهي :
١ / ( هلال العيلفون _ أضواء وظلال ) _ ٣٢٣ صفحه _ الطبعه الاولي صدرت عام ٢٠٠٦
الطبعه الثانيه عام ٢٠١٣
٢ / ( خلاوي العيلفون التاريخيه _ بركه ودين ودنيا ) _ ١١١ صفحه . صدر عام ٢٠١٩
٣ / ( مسارات قلم في ظلال منتديات العيلفون ) _ ٥٠٠ صفحه صدر عام ٢٠٢٢
بقيت بمنزلي وحيدا” لثلاثة أيام بعد خروج اسرتي وأصوات السلاح من حولي ليلا” ونهارا”. خلال تلك الايام الثلاثه انقطعت أخباري وتلفوني لا يعمل لانعدام الكهرباء لشحنه فاعتبرت مفقودا” ونشر اسمي علي الوسائط ضمن مفقودي الحرب ! وسبب ذلك قلقا”عظيما”لافراد اسرتي خارج البلاد !
حينما استحال البقاء لانعدام أسباب الحياه من ماء وطعام كما ذكرت سابقا”وكنت أعيش علي بقايا من الاسودين ( الماء والتمر ) لحقت بأسرتي بأرض الجزيره . وبدأنا تلك الهجره الطويله نحو المجهول عبر الفيافي والنجوع حتي مدينة ود مدني التي لم تكن قد سقطت بعد ومكثت بها لثلاثة أسابيع ضيفا”علي عائله من أقربائي هم أسرة أخي احمد بابكر وزوجته ابنة خالي مني البشير الطاهر وابناؤهم وبناتهم وقد أحسنوا ضيافتي وراحتي . كما استضافوا قبلي شقيقي عثمان واسرته وكان مريضا”وأعتنوا به عنايه فائقه . وعبر هذه السطور اتقدم لهم بشكري ومحبتي وتقديري . انه السودان والعائله الممتده والنخوه والتراحم والترابط الذي ليس له وجود الا في ربوع بلادنا ! قال شاعرها :
بلاد ناسا”يكرمو الضيف
حتي الطير يجيها جعان
علي اطراف تقيها شبع !
هذا الثوب السوداني الزاهي من التكافل الاجتماعي والعون والمساعده والنخوه هو الذي تغطي به كل النازحين أيام النزوح داخل البلاد وخارجها !
من ودمدني واصلنا السفر والمعاناه حتي مدينة كسلا حيث كنا في ضيافة اسرة احدي الزميلات الفضليات لابني د . محمد وتعمل مديره للامدادت الطبيه بمدينة كسلا وقد احسنوا وفادنا واكرامنا ومساعدتنا فلهم عبر هذه السطور كل الشكر والتقدير والعرفان . بعد ان اكملنا اجراءات الدخول لدولة اريتريا بمكاتب جوازات كسلا توجهنا الي حدود اريتريا عبر قري ودشريفي والجيره واللفه ! قد تعجبون كيف لي ان اعدد أسماء هذه المواقع الجغرافيه السودانيه الصغيره بهذه الدقه ؟! انها ذكرياتي وظروف عملي كاداري بالحكومه المحليه فى أواسط الستينات من القرن الماضي . هذا النوع من الحكم المحلي الذي كان له اثر عظيم في حياة الناس وقد ولي وغابت ايامه ولم يعد موجودا” الان في مظاهر الحكم حيث كنت مسؤولا عن هذه الفيافي الشاسعه التي تشكل الرقعه الجغرافيه لمجلس ريفي كسلا بمرافقها وكياناتها القبليه كقبائل البني عامر والحلنقه والرشايده . وياسبحان الله بعد ان كنت اجوبها بالعربه الحكوميه وعلم مديرية كسلا يرفرف في مقدمة العربه رمزا” لهيبة سلطة الدوله ووجودها واثرها في حياة الناس اتفقد احوالها واتدبر شؤون المواطنين اتيها بعد عقود من عمري نازحا”تاركا” بلادي بما فيها وراء ظهري ! من نقطة الحدود داخل دولة اريتريا التي وصلناها حيث حاميتها العسكريه والوجود الامني والاداري للدوله الاريتريه فوجئنا بحكومة اريتريا تنظم للنازحين السودانيين بصات كبيره فارهه تنقلنا بالمجان الي مدينة ( تسني ) . وياسبحان الله كنت اتي لهذه المدينه الحدوديه ( الاريتريه) الصغيره قبل استقلال اريتريا ايام مسؤوليتي عن مجلس ريفي كسلا لاجتمع مع مفتش هذه المدينه الاثيوبي ويدعي ( فهايي قبرياسيس ) في اجتماعات دوريه لمناقشة قضايا وشؤون القبائل المشتركه علي الحدود بين البلدين خاصة قبيلة البني عامر التي يتداخل وجودها ببن البلدين اريتريا والسودان مما يتطلب التنسيق وتبادل المعلومات الاداريه ورعاية مصالح المواطنين علي جانبي حدود البلدين وياسبحان الله مرة أخري اتيها وانا نازح تاركا” بلادي وراء ظهري !من مدينة ( تسني ) وعبر مدن عديده وجبال شاهقات حتي مدينة ( اسمرا ) العاصمه . مدينه انيقه ونظيفه يسودها الامن والهدوء والنظام والاستقرار في كل شئ في الاسعار والمعيشه والعمله فلا تضخم تتسارع وتيرته وسعر الصرف لعملتهم ( النكفه ) يعادل ( ١٦ ) مقابل الدولار حين حللنا بأرضهم ! ولا تسمع لهذا الدولار شأنا” يذكر ! دولة تمنع استعمال البلاستك وتستعيض عنه بالورق حفاظا” علي البيئه ! بل منذ استقلالها لم تفرط في أمن البلاد الداخلي وصانت حدودها . تمسكت بسياسة الاعتماد علي الذات ورفضت السير في طريق الانفتاح اللبرالي والعولمه الاقتصاديه الذي روج له الغرب في التسعينات مع عدم الافراط في الاستدانه من المؤسسات الدوليه الماليه ولم تنجرف نحو أي طرف خارجي ! هذا هو سر نجاحها واستقرارها الذي غاب عن العديد من الدول الناميه. وياسبحان الله كنا نسبقهم وكنا دولة كبيره ونحن الان خلفهم ولم نكتف بذلك بل دمرنا أنفسنا وبلادنا ونأتي اليوم ونحن في حالة نزوح عبر بلادهم !
مدينة أسمرا مواطنوها علي درجه عاليه من التهذيب والبشاشه وحسن الاستقبال ! تجوب شوارعها حتي بعد منتصف الليل واطلالة الفجر ولا تخشي علي نغسك ! عربة الاجره التي تستقلها تري امامك ديباجه عليها اسم السائق وصورته ورقم لوحة السياره وتستمع للسائق وهو يتجاذب معك اطراف الحديث مرحبا” بك في بلاده سائلا” عن احوال السودان متمنيا” له النصر علي المؤامره الدوليه التي يعيها الشعب الاريتري علي نطاق واسع ! حينما تلتقي بهم في الشارع او المقاهي والمطاعم والمرافق الحكوميه تحس انهم يشاركون السودانيين النازحين محنتهم ويألمون لالمهم ! وقد علمت خلال وجودي بعاصمتهم ان تلك هي سياسة وتوجيهات رئيس الدوله ( أسياس افورقي ) للشعب الاريتري وكل اجهزة الدوله ان يحسنوا معاملة النازحين السودانيين وتسهيل امورهم ! لقد لمسنا هذه التوجيهات لرئيس الدوله الاريتريه بحسن معاملة النازحين السودانيين منذ ان دخلنا اول نقطه حدوديه داخل بلادهم والمتمثله في تلك البصات الاريتريه الفارهه التي نقلتنا بالمجان الي مدينة تسني وهي أول مدينه حللنا بها داخل حدود بلادهم ! لم يكن ذلك غريبا” فقد حفظوا للسودان دوره الكبير الرسمي والشعبي في مسانده ثورة التحرير الاريتريه التي اندلعت في بلادهم عام ١٩٦١ بقيادة حامد ادريس عواتي ورفاقه لنيل استقلال بلادهم من الاحتلال الاثيوبي . اضافة الي ان السودان ظل عبر تاريخه مأوي للاجئين الارتريين عند كل ازمه تحل ببلادهم وتجبرهم للنزوح خارجها . لقد كنت شاهدا” علي تلك الفتره الزمنيه التاريخيه بحكم موقعي القيادي في الخدمه المدنيه في بلادي . شاءت الاقدار ونحن في الطريق خلال مشوار نزوحنا داخل اريتريا بين مدينتي تسني وكرن أن أشار لي سائق العربه التي تقلنا وهو شاب اريتري الي مقابر قريه صغيره في منطقه جبليه قاحله وقال لي هنا يرقد ( ابو الثوره الاريتريه حامد ادريس عواتي ) ! وهكذا يرقد الابطال في قلوب شعوبهم ويظلون داخلها جيلا”بعد جيل ! لقد حفظوا ذلك الجميل التاريخي للسودان ورعوه ودللوا علي أنهم أمة أصيله تحفظ الجميل . وهل يتم حغظ الجميل دائما” بين الامم ؟ كلا فما لمسناه من دول الجوار خلال تعرض وطننا لهذه المؤامره التي استهدفت وجوده اصلا”وكنا نعامل هؤلاء الجيران بمثل تعاملنا لدولة اريتريا وربما أكثر وهنالك من وقفنا معهم حينما تعرضت بلادهم للعدوان الثلاثي من قبل ( بريطانيا وفرنسا واسرائيل ) عام ١٩٥٦ حينما أممت بلادهم قناة السويس . ثم تأتي اتفاقية مياه النيل التي وقعت بين السودان ومصر عام ١٩٥٩ وما جنته مصر ( 55.5 ) مليار م . م لمصر مقابل ( 18.5 ) مليار م.م للسودان ليس ذلك فحسب بل هنالك نسبه من نصيبه هذا القليل وافق أن تذهب لمصر ومستمره حتي اليوم ! كذلك حاربنا معهم جنبا” الي جنب وبذلنا دماءنا وارواحنا في حروبهم في عامي ١٩٦٧و١٩٧٣ ضد اسرائيل وامددنا جبهات الحرب بالغذاء من لحوم الابقار الحيه السودانيه تم ترحيلها بقطارات سكك حديد السودان . بل وضحينا بجزء عزيز من وطننا هي منطقةحلفا القديمه واغرقناها بمدنها وقراها ومعالم حضارتها التاريخيه وهجرنا سكانها الي داخل البلاد بمنطقة البطانه في شرق السودان عام ١٩٦٤ في تضحيه لا مثيل لها بين الشعوب قدمها السودان لكي يقيموا سدا” مائيا” عاليا”هو( خزان السد العالي ) ينعمون اليوم بفوائده طاقه وانتاج وتنميه وعمران وحمايه لبلادهم من اخطار الغيضانات ! كذلك جمعنا لهم قادة العرب في قمة عربيه تاريخيه في الخرطوم في الفتره ما بين ٢٩ أغسطس الي ١ سبتمبر ١٩٦٧ أي بعد شهرين فقط من هزيمتهم في حرب عام ١٩٦٧ المعروفه مع اسرائيل ! خرج الشعب السوداني وملاؤا شوارع الخرطوم لاستقبال قادة تلك القمه كانت نتائجها ومقرراتها دعما” ماديا” معنويا”حقيقبا”لمصر شكل أولي خطوات تعافي بلادهم بعد هذه الهزيمه ! كما أزالت هذه القمه حالة العداء التي كانت قائمه بين مصر وبعض الدول العربيه الهامه والتي خلقها نظام عبد الناصر وجرها علي نفسه وبلاده مع هذه الدول ! وكانت قمة ذلك الصلح هو الذي رتب له محمد احمد محجوب رئيس وزراء السودان بمنزله بين جلالة الملك فيصل ملك المملكه العربيه السعوديه وجمال عبد الناصر رئيس جمهورية مصر حيث تم التصالح والوئام بين الدولتين وتناست السعوديه خلافاتها واقبلت بكل اخلاص علي دعم مصر المادي والمعنوي ! ولا بد هنا ان نذكر ونشيد بالدور الكبير الذي قام به رئيس وزراء السودان محمد احمد محجوب في نجاح هذه القمه التاريخيه وفعالية مخرجاتها ! فقد كان مهندس هذه القمه وكان سياسيا”وقانونيا”وقائدا” عظيما” واديبا”وشاعرا” تستجيب له القوافي العصيه انجبته التربه السودانيه ! كما كان لرئيس مجلس السياده اسماعيل الازهري بما له من تاريخ سياسي ونضالي عريق منذ نشأة مؤتمر الخربجين عام ١٩٣٨ وحتي هندسته للمشهد السياسي بين الاحزاب الذي قاد لاعلان استقلال البلاد من داخل أول مجلس نيابي بتاريخ الاثنين ١٩ ديسمبر ١٩٥٥ كل ذلك مع خبراته وحنكته دورا” محوريا” في تذليل العديد من المطبات والصعاب خلال مداولات القمه . وكما رفع الازهري والمحجوب علم السودان سويا” صبيحة يوم الاستقلال علي سارية القصر الجمهوري فها هما يجمعان القاده العرب باسم السودان وشعبه لمساعدة مصر في أحلك ظروفها بعد هزيمتها هذه عام ١٩٦٧ ! وخوفا” من ان تضرب اسرائيل ما تبقي لمصر من قوه تم نقل بعض الكليات والمعاهد العسكريه الهامه وما تبقي لهم من طائرات مقاتله ودبابات وذخائر الي السودان وكل ذلك موزع بين منطقة وادي سيدنا العسكريه وجبل أولياء ومنطقة حلفا القديمه ! ما قدمناه كان صادقا” كصدقنا نقيا” كنقائنا :
( مصر يا أخت بلادي يا شقيقه .
يا رياضا” عذبة النبع وريقه … ياحقيقه ! )
هذا هو شاعرنا تاج السر الحسن رحمه الله يحمل احاسيسنا ومشاعرنا علي راحتيه نيابة عنا ويخطو بها نحوهم !
وأعود لبلادنا حينما جمعنا العرب لمساعدة مصر وأقول هكذا كان السودان ورجاله جامعا”للعرب وموحدا”
ومتحدثا”باسمهم جميعا” عند الازمات . ثم دخلنا بعد ذلك مراحل الانحطاط السياسي وحلت عصور الانقلابات والايديولجيات بشقيها اليساري واليميني فلا تداول للسلطه ولا مؤسسات تحمي ! وتعقبها انتفاضات يسمونها ( ثورات ) . بعدها يعض الناس بنان الندم علي ما انتفضوا ضده وتدور الساقيه وتصب في البحر ! الثورات في التاريخ الانساني مدلولها عميق . لها فلاسفه ومفكرون وقاده حقيقيون وبرامج واهداف محدده ومدروسه سياسيه واقتصاديه واجتماعيه وتحدث تغييرا” عميقا” في المجتعات للافضل وتحقق النهضه كالثوره الفرنسيه في فرنسا والبلشفيه في روسيا والماويه الشعبيه في الصين ودولة اليابان وبعض دول العالم الثالث الحديثه كدولة ماليزيا وبقية النمور الاسيويه ! فلا تسموا هذه ( الهرجله ) التي تحدث في بلادكم من وقت لاخر بأنها ثورات فيضحك عليكم العالم ! أنا أعلم ان كلماتي قاسيه لكنها حقائق واقعنا المره أجبرتني وهي التي نعيشها وتعيشها بلادنا والتي يجب ان نجهر بها بشجاعه ونستنطقها ونواجه بها أنفسنا وواقعنا انها دعوه حقيقيه للوعي لنبدأ أولي خطوات تصحيح المسار ! حققوا أولا” متطلبات الثوره الحقيقيه في أنفسكم وقياداتكم ومؤسساتكم السياسيه حينها سوف يتحقق حكم سياده القانون ويسود الامن والاستقرار وتتحقق نهضة الوطن ! وتسود الجملة الذهبيه في البلاد ( الاستقرار وسيادة حكم القانون ) !
Stability And Rule Of Law .
ونعود لمصر ويبقي السؤال بعد كل هذا الذي قدمناه للمصريين هل كانوا معنا في أزمتنا ونكبتنا ؟ كان موقفهم في بداية الحرب ( أنها شأن داخلي ثم تلي ذلك بعد ان تمدد أمد الحرب موقفهم الرمادي الذي لا طعم له ولا رائحه وحتي ما اتخذوه بعد ذلك من مواقف وخطوات يعتقد انها لصالحنا كانت مشبوهه ! ) . ما تتعرض له بلادنا مؤامره دوليه تستهدف وجودنا أصلا” وهم يعلمون هذه الحقيقه ! أما ما هو أقسي وأمر علي مصر مما يمر به السودان أنها حتي لو أدركت ما يجري في بلادنا علي أمنها فهي يكبلها الجانب الاقتصادي وما تتلقاه من دعم مالي من الذي يعتدي علينا ! وتلك هي المقاربه الابديه بين قيم الوفاء لما قدمناه وما هو مادي ووقتي يظل وقتيا” مهما عظمت فوائده ! هل كانت الدول المجاوره جميعها علي أقل تقدير بمثل موقف الدوله الاريتريه وضوحا” وتأييدا” ومؤازره في دحر المؤامره التي استهدفت بلادنا ؟! بالعكس فقد كانت هذه الدول المجاوره جميعها تتكسب من ورائها عمالة وارتزاقا” ! بل منها من أعان الاعداء علي عدوانه علينا ! بخلاف الارتزاق والتكسب والعماله والتواطؤ يتماشي مع اهدافها الخفيه الحقيقيه نحو دولة السودان وهي ان تسقط بلادنا علي الارض بعد هذه الهجمه عليها وحينها يأخذ كل طرف نصيبه من هذه الفريسه !
ومهما تباري القوم في ماهية هذه النكبه التي أصابت البلاد وافاضوا في التحليل والجدل حول أسبابها وظروفها فهي مؤامره ذات أبعاد محليه واقليميه ودوليه هدفت الي زوال البلاد بأهلها واستبدالها بوجود اخر صورته في أذهان الذين دبروها وحدهم دون سواهم ! هي مؤامره لم يشهد التاريخ المنظور لها شبيها” ظلت عواملها الخفيه تسري تحت أقدام الوطن وتتخفي كالماء تحت أعشاب التبن لينهار بلد بأكمله في أيام معدوده تمور بالحركه والحياه ! ان من ينظرون لهذه النكبه التي اصابت الشعب والوطن ويربطون جهود الشعب ومن حملوا السلاح للانتصار فيها بتحكم وهمي يختلقونه لعهد سياسي أو جماعة ولي عهدهم أو كقضايا جلوس ومفاوضات وتسويات ثم يختزلون كل ذلك في جمله صغيره ( لا للحرب ) يظلمون أنفسهم في حق هذا الشعب وهم يعلمون !
في ختام حديثي في هذه الفقره حول مصر والمصريين وما قدمناه لهم وما وجدناه منهم فلا بد لي من وقفه أخاطب فيها الشعب المصري بكل صدق ووضوح بأن سياسة دولتكم الرسميه نحو السودان طوال تاريخها لم تمكنكم من معرفة السودان وقيمته بالنسبة لكم ولمصالح بلادكم الحقيقه معه ! هي سياسه لم ترق الي الفهم الصحيح والعميق لمفهوم العلاقه بل ظلت ( سياسة مواسم مصالح ) مع بلادنا تظهر وتختفي حسب هذا المنوال ! ولولا ذلك لوصل البلدان الي عتبة مقبوله وراسخه ومفيده في العلاقات منذ أمد بعيد !
Acceptable Solid And Useful Threshold
من مدينة ( اسمرا ) الانيقه واحضانها الدافئه جوا” الي مطار ( دبي ) ثم السعوديه نهاية مشوار النزوح ! وهنا لا٠ بد لي ان أقف عند دور ابني د . محمد ومابذله من جهود عظيمه خلال مشوار النزوح منذ ان خرجنا من العيلفون في ذلك الصباح الحزين وطيلة مشوار السفر مما لا أستطيع ان أعدده او أحصيه . كنت كثيرا” ما اخشي عليه وهو يخوض تلك الصعاب في اجراءات وخطوات سفرنا العديده والشاقه خاصة حينما تتطلب بعض المهام ان يتأخر لساعات متأخره من الليل ونحن بمدينة اسمرا حيث كانت الاجراءات عديده خلال هذه المرحله من مشوار سفرنا فأظل ساهرا” أترقب عودته ولا أنام حتي يعود ! باختصار فلولاه وعون المولي٠ سبحانه لما وصلنا نهاية مشوار النزوح ! ولا أخفي عليكم فقد قام بانقاذ عربتي البوكس باهظة الثمن صبيحة اجتياح العيلفون في موقف بطولي وخرج بها والخطر علي مقربة من منزلنا وذهب بها واودعها لدي احد زملائه بمدينة الهلاليه يعمل معه بالامدادت الطبيه . هذه العربه هي كل ما املك وقد اخذت مني كل ما عندي لاقتنيها ! قبيل مغادرتنا لمدينة ود مدني مواصلة لمشوار النزوح كان لابد من بيع البوكس وانا مكره وتم بيعه فعلا” بأحد معارض السيارات بمدينة ود مدني ! ورجعت لقوله تعالي ( لكيلا تأسوا علي ما فاتكم ولا تفرحوا بما اتاكم ) .. الايه . صدق جل شأنه !
قضيت تلك الليله ساهرا” اترقب عودة ابني محمد من مدينة الهلاليه لايشكل أمر البوكس أدني هم بالنسبة لي بقدر ما ينصب كل همي وقلقي علي عودته ! بعد منتصف الليل بقليل سمعت طرقا” علي الباب وكأنها طرقات علي قلبي وفتحت الباب فاذا بمحمد أمامي وسعاده غمرت جوانحي وفرحه هي فرحة العمر كله . لم اسأله عن التفاصيل حينها يكفي انه أمامي ولم أنم ليلتها حتي الصباح ! هل تراني وقد احتواني ذلك البيت من الشعر من قصيدة الشاعر صلاح احمد محمد صالح الذي طغت السعاده عليه فغمرته وحالت بينه وبين النوم وشدا به عثمان حسين ؟ !
طال ليلي والازاهير نيام
ونسيم الصبح قد ساد الانام .
القصيده بعنوان ( وداعا”يا غرامي ) . الا ان صاحب ذلك الغرام الذي فارق صلاح ربما عاد اليه في خياله وفاجأه وسهر بجفنيه حتي الصباح ! ما أروع أغانينا القديمه نحياها وتحيا معنا طوال أيام عمرنا . نموت وتظل باقيه لا تموت !
بالنسبة لي أيضا” انها عاطفة الابوة كما جاء لاحد الحكماء حين قال ( انه ابني وريحانة قلبي ) !
الشاعر صلاح صاحب٠ هذا البيت من قصيدته التي تغني بها عثمان حسين هو ابن الشاعر السوداني الكبير احمد محمد صالح صاحب قصيده مدينة ( دمشق ) عاصمة الدولة السوريه التي نظمها حينما تعرضت للعدوان الفرنسي عام ١٩٤٥ وعبر فيها عن مشاعر الامه السودانيه واعتبر جرحها هو جرج كل العرب . كانت نشيدا” للامه العربيه طبقت شهرتها الافاق علي نطاق العالم العربي واعتبرت من عيون الشعر العربي جزالة في اللغه وعمقا”في المعاني عرف به هذا الشاعر وضمت لمناهج اللغه العربيه في المدارس السودانيه وجاء في مطلعها :
صبرا”دمشق فكل طرف باكي
لما استبيح مع الظلام حماكي
جزعت عمان وروعت بغداد
واهتزت ربي صنعاء يوم أساك !
كان هذا هو صوتنا خلال احدي محن العرب صداحا”مؤازرا”لقضاياهم بل تلي ذلك التاريخ حينما تدافع المتطوعون الفدائيون السودانيون للمشاركه في القتال معهم في الحرب عام ١٩٤٨ ضد اليهود في فلسطين . فهل رأي السودان الان منهم شيئا” وهو يتعرض لنكبته ومحنة وجوده التي نكتب عنها الان وعن فصل من مشوار نزوح شعبها ؟ رغم العهد الذي يربطنا بهم والسودان عضو في منظمتهم التي تسمي جامعة الدول العربيه ! كاد المريب أن يقول خذوني !
اعود لقصة جهود ابني د .محمد خلال مشوار النزوح واقول حفظه الله ووفقه ورعاه . أما ابني الطيب فهو الذي اقترح علينا ضرورة خروجنا من السودان ولم أكن أفكر في ذلك ولا نزال وقتها بمدينة ود مدني . وكان الطيب كثير القلق وكثير الاتصال بشقيقه د .محمد بالسودان حينما شاهد اسمي علي وسائط الاتصال ضمن مفقودي الحرب في السودان ! رتب الطيب لكل اجرءات زيارتنا للسعوديه وما يتعلق بنفقات السفر بالتنسيق مع ابنتي د . سلمي بايرلندا .
وصلنا السعوديه نهاية مشوار النزوح واستقبلنا بالمطار د . محمد حسن وابنتي سعاد وابنتها علا وابني الطيب .
استقر بنا المقام وزالت عنا وعثاء السفر واحسسنا بنوع من الاستقرار . ومرت الايام بطيئه الا ان الفؤاد ما زال مجروحا” ومشدودا” لتلك الاحداث التي اجبرتنا لمغادرة وطننا قسرا” وما ترتب عليها وحاضر بلادنا الذي ولي ومستقبله الذي يتراي لنا في افق بعيد يترقرق فيه السراب ! واصبحت اوضاعنا بين نازح ومفقود وشهيد وغني اصبح فقيرا” في غمضة عين واخبار موتانا ينعيها الناعي من مختلف مواقع النزوح !
خلال هذه الظروف التي احياها لاول مره من ايام عمري لم أذق طعما” لهذا الاستقرار وانا في ديار النزوح ! لم أذق طعما” لكل هذا الذي من حولي من نعيم في هذه الدوله التي حططنا الرحال علي ارضها حيث الوفره في كل شئ والتي وصلت مرحلة الرفاهيه وسعادة الانسان لمواطنيها . لذلك كنت اتقلب في فراشي وفي هذه الهموم من الاحداث وما ترتب عليها من صور حاضر بلادنا الذي ولي وذهب مع الريح ! هذه الاجواء الحزينه وهموم الوطن أفرزت هذه المقالات التي كتبتها ايام النزوح وعلي فترات تطول وتقصر احيانا” وهي ذات الوان ونكهات متعدده وتصب جميعها في ماحل بنا وببلادنا . لم تكن كلها بكاء” وحزنا” علي ما اصابنا بل هنالك العديد الذي يصب في مجري نهر الوعي والتبصير بما حل ببلادنا من نكبه واسبابها وما سبقها وما تلاها من تاريخ صور بلادنا السياسيه والاقتصاديه والاجتماعيه وكذلك الامل في النصر والتعافي والعبور والنهضه لمستقبل نبنيه
برؤي جديده وقياده يتصدر مشهدها من حملوا السلاح وبذلوا الدماء والارواح واستعادوا الوطن مستلهمين عظات المحنه ودروسها لصياغة واقع جديد واسدال الستار علي ماضي سياسي بائس تتصدر مشهده احزاب ومكونات سياسيه وهميه بلا أمل يرتجي منها يجب ان لا يصبر عليها الوطن أكثر مما صبر عبر تاريخه !
ولكي لا تذهب امالنا هذه بعيدا” عن تصحيح الواقع الذي تسبب في ما حل بنا وببلادنا ونجد انفسنا كمن يحرث في البحر فلا بد من المخاطبه والتنبيه والتذكير للقياده التي تتصدر المشهد في القمه ان تضع نصب أعينها معاني وقيم وحجم هذه التضحيات التي بذلت لاستعادة الوطن وتحقيق الواقع الجديد الذي ينبغي ان يكون عليه وينشده الوطن . لأنه ان حدث تفريط اخر مثل الذي حدث قبل هذه النكبه وادي لما نحن فيه الان وما حل ببلادنا فلن تسلم الجرة مرتين وسوف تضيع البلاد الي الأبد ! هذا ما يجب ان تركز عليه القياده وان لا يشغلها معه اي ترتيبات سياسيه انصرافيه في هذا الوقت تقودها اطراف حزبيه لا يشكل هم معركة الوطن الكبري اسبقيه في اجندتهم ! وهذا كله مجتمعا” ما يجب ان يتيقظ له الشعب ومن حملوا السلاح وخاضوا المعارك وبذلوا الدماء وجادوا بالارواح واستعادوا الوطن !
هذه المقالات التي خرجت من رحم المعاناه والام النزوح وجراح الوطن هي فيض من المشاعر احتوتني طيلة ايام النكبه ولا تزال . هي جهد مكتوب للوطن بمداد الوطنيه والعقل الحر من خلال المحنه والنزوح والالم نودعه لتاريخ السودان حاضره ومستقبله وهي ضريبه مني واجبة السداد لمقام الوطن ولم تعرف عني ميول حزبيه أو تحزب لجماعه أو عصبيه فالحزب وخاصة في هذه الظروف هو هذا السودان وسلامته وبقاؤه والتصدي لاعدائه !
ان هذه المقالات عزيزه علي نفسي وفي النيه
ان تخرج في كتاب بعد العوده للوطن ان سمح الاجل وتهيأت الظروف وأولها ان يستعيد الوطن عافيته . وربما لا نخدع انفسنا في عافيه سهله وقريبة المنال فالبلد دمرت تماما” وفقدنا مظاهر حضاره بنيناها بالعرق والجهد الطويل خلال المائة عام المنصرمه ! ثاني هذه العقبات في ان يري هذا الجهد النور في كتاب يقرأه الناس هي الاستطاعه الماليه . من اين لي ذلك ! هي غائبه تماما” خاصه بعد مصير مصدر دخلي الوحيد وهو ايجار منزل متواضع يقع في ضاحية بري امتداد ناصر توقف ايجاره في منتصف اكتوبر من عام النكبه واندلاع الحرب كان دخله يمثل مصدر عيشي . فهو كبقية منازل العاصمه التي هي خاويه علي عروشها تلفها الوحشه والسكون ! غير ان الامل في ان تري هذه المقالات النور في كتاب هو امل ورجاء للمولي سبحانه قائم ما بقيت حيا” وما يخطه قلمي الان من كلمات في هذا المقال يكون مقدمه للكتاب المرتجي يحمل نفس عنوان هذا المقال ( حصاد القلم خلال النكبة والنزوح في السودان ) ليكون الكتاب الرابع لجهدي الغكري بعد التقاعد بمشيئة الله .
أقال الله عثرة بلادنا فهي في هوه سحيقه والذي قدر لنا ذلك فهو قادر ايضا” برحمته سبحانه جل شأنه بانتشالنا منها ! وسبحان من يحي العظام وهي رميم !
ملحوظه هامه :
المقال انتهت كتابته بتاريخ الجمعه 7 نوفمبر 2025 أي بعد مضي ( عامين وستة شهور ) علي اندلاع الحرب . لذا يجب ان ينظر ويفهم لما احتوي عليه من معلومات واراء وارده فيه في اطار هذا المدي الزمني الذي كتب فيه .
* ادار ي واكاديمي (متقاعد) بالحكومه المحليه القديمه بالسودان .
الجمعه 7 نوفمبر 2025
suliemaneltayeb5@gmail.com

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى