
إن السموم والحميم الذي جثم على صدور أهل السودان واسكنهم في ظل من يحموم لا بارد ولا كريم واذاقهم الجحيم ولما كاد يبرد ويستكين فإذا به يزداد ولا يلين كأنه بركان لعين جاءت أخبار الفاشر والناس أرادت ان تعود إلى ديارها وتباشر فتجددت الأحزان وتيبس البستان ورتع الشيطان.
ولكن تجاوزنا الأحزان ورجعنا إلى واحة القرآن فبدأ الرزاز المبارك يتساقط علينا يحمل معه أملا وماء وثلج وبرد فنزل على القلوب واطفأ اللهب وازال الكرب.
إن حالة الهيجان والإنفعال التي لازمت أحداث الفاشر دليل صحة وعافية وأن الجسد المنهك الضعيف ما زال صحيح ويمكنه أن يقيف.
لقد أثبت الشعب السوداني أنه جسد واحد وقد تداعت عليه الحمى والسهر فكانت حمى فوق حمى الضنك وكرب على كرب ووقف الشعب كله على المحك.
لما إنهزم المسلمون في أحد خيم عليهم الحزن وما زال المشوار أمامهم طويلا والإسلام ما زال محاصر في المدينة والعدو قد استعاد قوته وزداد في الضقينة.
هنا بدأ رزاز الوحي (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) ، يا له من رزاز مبارك يحيى القلوب ويبعث الأمل إن كنتم مؤمنين .
لا تلتفتوا إلى الهزيمة انظروا إلى العدو فهو مضطرب خائف ترتعد فرائصه.
انهضوا إليه وباغتوه وهو في نشوة الإنتصار وقد ظن فيكم خنوع وإنكسار (ولا تهنوا في إبتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون) إنها اللحظة المناسبة حتى لا يلتقط العدو انفاسه ويرتب صفوفه.
لذلك تجد في لوثة الإنتصار الذي جاء بشق الأنفس كما حدث في الفاشر تجد العدو يحاول الهدنة والإستجمام حتى يحتفظ على الأقل بنصره الزائف.
بعد العزيمة مباشرة ينبغي على الجيش ان يكثف الضربات فإن وقعها سيكون أليما، في هذه اللحظات بالذات فإن أي حديث عن سلام يعني هزيمة واستسلام (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم) ولكن إذا اعترف العدو بأنه لا يستطيع مواجهتكم وجنح للسلم هنا يمكن أن نجنح له.
الجنوح واضح كأنه طائر يريد الهبوط في حالة وداعة واستسلام.
أما أن كان ممسك بالسلاح ويهاجم ويريد كسب الوقت وتحقيق مكاسب يفاوض عليها هنا تكون المواجهة والحرب حتى يجنح
صحيح نحن نغالب ويلات الحرب والنزوح ولكننا في مأمن وبعيدين عن مرمي النيران فما بال من هو في الميدان
هؤلاء نسندهم بالدعاء والاستنفار وطيب الكلام.
هؤلاء الذين يحملون أرواحهم في اكفهم وفارقوا أهلهم وهم يلبسون الكاكي أعوام هؤلاء إن تسرب إليهم الاحباط فعلى الدنيا السلام ولن نكون في أمان.
نصركم الله فوق الأنام.
جيش واحد شعب واحد.



