
العنوان أعلاه جملة سودانية نسمعها كثيراً جملة تنم عن ندم مباغت لحظي ساعة الغضب اعتدنا عليه في علاقة كانت في يوم ما مليئة بالود والعشم تقال بين أصدقاء أو زملاء أو شركاء حياة.. لكنها تجد موطئها الأوسع في العلاقات الزوجية حيث تتبادلها الألسن من الطرفين الزوج يقولها بغضب وصوت قاتل و الزوجة تهمس بها و هي تغسل الصحون أو تحزم حقائب الوداع …
هذه الجملة ليست مجرد جملة عابرة او تنفيس بل مرآة لعلاقة وصلت إلى درجة من الإعياء تجعل صاحبها يلعن اللحظة التي بدأ منها كل شيء.
ومن المفارقة أن أكثر من يقولها هم أولئك الذين صمدت علاقاتهم عقوداً طويلة.. وكأن طول العشرة لا يصنع التفاهم بل يراكم التعب ويفتح دفتر (الندم المؤجل) …
سبق أن تناولت في سلسلة مقالاتي عن الزواج والعلاقات الأسرية تحت عنوان (الذم بديل الدم فلنصدق النية) حيث حاولت تبيان أن مشكلاتنا ليست في الزواج ذاته بل في مفهومنا له و في محاولات (تسهيله) رغماً عن سهولته فكلما سهلنا الزواج باللسان عقدناه بالحياة وسهلنا الفراق …
لكن ما يلفت الانتباه هنا هو أن العلاقة الزوجية هي الوحيدة التي تبدأ بالاختيار الكامل بين طرفين إلا ما ندر .
فأنت لم تختر أباك ولا أمك، ولم تُستشر قبل أن تُلقى بين إخوتك ولم تُختر لتولد في هذا الوطن دون سواه من ارض الله الواسعة.
أما الزواج فهو العلاقة الوحيدة التي تبدأ بـ (أوافق) أي بقرار حر ومسؤول او يُفترض ان يكون كذلك…
غير أن المفارقة تكمن في أن العلاقة الوحيدة التي نبدأها بالاختيار هي نفسها التي نفقد فيها حريتنا لاحقًا
فالزوج والزوجة يدخلانها بفرح الإرادة ثم يجدان نفسيهما بعد سنوات رهيني العادات و(الناس بتقول شنو) والعيال والمجتمع ووو…
إلى أن تصبح العلاقة التي بدأت بالحب مقيدة بسلاسل من (الواجبات) لا فكاك منها البتة.. في حين أن العلاقات التي فُرضتها اقدارنا علينا و لم نخترها كالأم والأب والإخوة تظل أكثر رحمة لأننا نعرف أنها من الله عز وجل فنغفر فيها ونسامح بسهولة.
فإن العلاقة التي اخترناها بأنفسنا نحاكمها بأقسى معايير الندم كأننا نريد أن نعاقب أنفسنا على اختيارنا الخاطئ او ما نحسبه خاطئاً.
وهنا يأتي التحليل الساخر والموجع في آن واحد.
ذلك اليوم الذي يلعنونه (اليوم الرماني فيك) هو في الحقيقة اليوم الوحيد الذي لا يحق لهم لعنه!! ونسبة (الرمي) الى ذلك اليوم وليس لنفسك لأنه اليوم الوحيد الذي كان من صنعك الكامل، يوم مارست فيه إرادتك بكامل وعيك دون إكراه ولا قَدر مفروض.. و مع ذلك حين تضيق بك الحياة تلعن حريتك بلسانك، و تُسقط ندمك على اليوم الذي اخترت فيه أن تكون حراً.
بشكل عام كل العلاقات قدرية تُفرض علينا بدرجات متفاوتة، لكن الزواج أكثرها خداعاً لأنه يوهمنا أولاً بالحرية في الحياة الجديدة ثم يربطنا بالحياة كلها بعد ذلك.. فهو أشبه بصفقة عاطفية تبدأ بالعسل وتنتهي بالفلسفة وكلما اشتدت مرارتها زاد استعمالنا لتلك العبارة السحرية التي تجمع الدعابة بالدموع و (انعل أبو اليوم الرماني فيك) لحظات تتفاوت و يذهب عنها الغضب فنعود نمارس ذات الحياة ثم يعود الغضب ونكرر ذات الجملة في موسم الغضب و (كل دا ما موضوعنا).
لاني افكر الان في موضوع (الكيزان) الذين جثموا على صدر البلاد كل تلك العقود وكل مرة نلعن (اليوم الرماهم فينا) او (الرمانا فيهم) ولا ادري اي الجملتين هو الاصح؟ لكن هل كان ذاك اليوم مجرد صدفة؟ ام اننا ساهمنا بدرجة ما في ان يكون؟ ام هو قدرنا ورضينا بيهو؟.
وهل (الاقتلاع) سوف يكون قدرياً ايضاً ام انه نتيجة افعال و مقاومة ؟؟ لا أدري …و لماذا لا أدري…لاني لا ادري لماذا لا ادري؟.
mtalab437@gmail.com



