الرأي والتحليل

محمد طلب يكتب: ماذا تقولون فيمن يهرب من الحرب ليهتف باستمرارها؟؟

هاتفني صديقي (الأوروبي) السوداني الذي نال الجنسية الاوروبية بعد خروجه من البلاد بعد نهاية حرب الجنوب وبداية حرب دارفور و هو يحكي لي قائلاً:-
لم أكن أتوقع أن أرى ذلك المشهد يوماً ما كنت أقف في ساحة أوروبية أنيقة، محاطاً بعطر القهوة وحديث المارة حين سمعت من بعيد أصواتاً مألوفة… فيها شيئا من حنين الطبل ووجع الرطانة.. اقتربت فوجدت حشوداً هادرة و لافتات مكتوباً عليها بالعربية التي ربما لا يفهمها حتى العرب (بل بس) بل حتى من يحملها و اخرى (نعم لاستمرار الحرب) و غيرها (تنادي بالقضاء على اخر مليشي).. تذكرت أنها ذات المليشيا التي حاربونا بها حتى وصلنا لهذه البلاد الباردة… اليوم يريدون القضاء عليها .. ما هذا ؟؟ وماذا يحدث!!؟؟
توقفت حككت رأسي ثم سألت نفسي بصوتٍ عالٍ:-
(يا ربي نحنا السودانيين ديل ممكن نكون فقدنا آخر خلية عقل عندنا؟؟؟ دا شنو دا)؟.
لست حاقدا على تلك المليشيا التي قتلت اهلي وشردتني ذات المليشيا التي قالوا انها خرجت من رحم القوات المسلحة وانها ذراعها الايمن لاني تعلمت وعرفت اسية الحرب..
تقدمت أكثر ,الوجوه مألوفة شباب وشابات هربوا قبل عام من الجحيم، عبر البحر والموت والمطارات وركبوا المخاطر و اليوم يقفون هنا يطالبون باستمرار النار التي أحرقت بيوتهم فقلت في نفسي:-
(سبحان الله ديل ناس الحرب بالنسبة ليهم ما مأساة… دي هواية).
العالم كله يهرب من الحرب ليحيا و نحن نهرب منها لنستمتع بمشاهدتها من بعيد!!!
نطالب بوقف النار في الصباح ثم نشعلها على (الفيس) في المساء
و نلعن الحرب إذا طالتنا، ونباركها إذا أصابت خصمنا .. نغادر الوطن بالبكاء ثم نهتف من أوروبا للخراب أن يستمر .. ثم بعد كل هذا نغضب لأن العالم لا يتعاطف معنا!!! كيف تريد العالم أن يتعاطف معك وانت تهتف بهتافك القبيح (بل بس).
والان اسمعكم غير راضين ان بعض الدول تستقبل (الاوكرانين) بمئات الالاف سنوياً بينما يأخذون عدداً قليلاً من السودانيين او لا ياخذون و تصفون الامر بانه عنصرية.. الأوكراني عندما خرج من بلده، خرج وهو يبكي فعلاً على ما يحدث في بلاده .. أما نحن فخرجنا ونحن نحمل العود والطبلة، نغني (الله أكبر على الحرب) و نقول للبحر (وسع لينا)!!
وحين وصلنا أوروبا جلسنا على الأرصفة نحكي مآسينا بمهارة ممثل محترف:-
(كنا تحت القصف يا خواجة، أكلنا الرمل، ركضنا حفاة عراة ووو) قصص من الخيال فيتعاطف معنا الخواجة المسكين ويمنحنا الأمان،
ثم نكافئه بعد شهر بمظاهرة تدعو لاستمرار نفس القصف الذي فررنا منه!!!
منذ ذلك اليوم، صرت أشعر بالخجل وأنا أرى وجوه الأوروبيين حين يسمعون عن السودان لقد اكتشفوا أن حربنا لا تشبه حروب البشر حروبنا بلا منطق ولا نهاية ولا اخلاق وحكاياتنا مليئة بالمتناقضات حتى صار العالم يشك في صدقنا.. صرنا بالنسبة لهم (لاجئين من نوع خاص) نهرب من الحرب صباحاً ونطالب بها مساءً نطلب السلام وفي جيوبنا منشورات الحرب الأهلية والوجدان مشحون ومضطرب يغني:-
نحن اولاد بلد نقعد نقوم علي كيفنا
(يا زول على كيفك كيف!!! يعني ما في نظام)؟؟
فلا يكترث و يعقب :-
نحن الفوق رقاب الرجال مجرب سيفنا
فيرقصون و يرددون ذلك الشعار القبيح (بل بس) فياتيهم الصوت الصاخب والايقاع الحار :-
سيف اخوي بي لفحتو
بشيل الراس بي صفحتو
أحياناً أظن أن مشكلتنا ليست في الحرب نفسها بل في حبنا المرضي لها وللعدائية المرضية و نحتاج إلى جلسة علاج جماعية على الهواء الطلق يعترف فيها كل واحد منا بأنه مدمن على الشجار و عاشق للدم لا يرتاح إلا حين يسمع الرصاص من بعيد…
نحن لا نريد وطناً يعيش في سلام، نحن نريد حرباً مريحة حرباً بخدمة واي فاي وإقامة دائمة في دولة راقية!!!
ثم نسأل:-
لماذا تستقبل أوروبا و كندا وامريكا و استراليا الأوكرانيين بالأحضان بينما تنظر إلينا بريبة؟
الجواب بسيط لأن الأوكراني حين طرق بابهم كان يهرب من الموت، أما نحن فكنّا نهرب من بعضنا البعض.
الأوكراني جاء ليحيا، ونحن جئنا لنجادل في من يستحق أن يموت أولاً…
صدقوني لو استمرت هذه العقلية فلن نحتاج إلى حرب جديدة … لاننا نحملها داخل رؤوسنا.. كل واحد فينا قنبلة موقوتة، مشتعلة بالقبلية والجدال والكراهية، تنفجر كلما اختلف مع شخص على (بوست) في الفيسبوك… حتى كلماتي هذه ستجد هجوماً عنيفاً .. فلنكن صادقين مرة واحدة فقط .. نحن لا نكره الحرب، نحن نكره أن تُدار من دوننا!! و ان لا تؤذينا او نتضرر منها .. تناقض عجيب.
نحن لا نريد السلام، نحن نريد الانتصار على خصمنا فقط، ولو كان جيراننا أو إخوتنا .. ولهذا سيظل العالم ينظر إلينا كما ينظر الطبيب إلى مريضٍ يرفض العلاج ويصر على عض الممرضين الاربعة.
يا سادتي الحرب ليست بطولة… هي فضيحة، والهرب منها ليس عيباً لكن الدعوة لاستمرارها وأنت في المنفى، فذلك هو العار بعينه… دعونا نتوقف عن بيع المأساة بالتقسيط، وعن المتاجرة بالدم .. فالعالم تعب من قصصنا، ولم يعد يفرق بين القاتل والضحية.
وختاماً كما قال أحد الخواجات عندما سمع عن تظاهرتنا الأخيرة:
(أنقذوا السودانيين… من أنفسهم أولاً)…
سلام يا صديقي وحكايات السودانين في مهاجرهم و اوطانهم الجديدة إلا من رحم ربي تحتاج الدراسات العميقة والمعالجات.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى