الرأي والتحليل

محمد طلب يكتب: مفــروكــة القــرع

يبدو العنوان غريباً جداً بل ممغرداً خارج السرب.. ويقع وفق القاموس السوداني في خانة (دي شنو اللخبطة دي)؟.
فالذائقة السودانية عموماً تألف السكون و تخاف من أي مغامرة تنتمي إلى حقل (التغيير) خاصة عندما يتعلق الأمر بما يعتبرونه ثابتاً و(لا يقبل اللمس) و لهذا يصرون أن نظل أسرى لما (وجدنا عليه آباءنا).
وعندما تفشل تجربة (التغيير الأولى) غالباً بخطأ يمكن تداركه في التجربة التالية يخرجون علينا بعبارة غير مسؤولة :- (كفاية السويتو فينا المرة الفاتت).
فنضطر إلى (كشح الحلة) والعودة إلى ثنائية (الكسرة والملاح).. وكأنهما مركز الكون دونه يحدث الاختلال
في كتابي (ست البيت وحكايات الحب والحرب.. العودة والأعياد)..
حاولت الخروج من هذه الدائرة عبر سلسلة مقالات مثل (البطاطس والآبري) مروراً بـ (الحلو مر الجديد عمرو ما غاب ) وصولاً إلى حلم كبير اسمه (مكعبات الآبري المثلجة) و هو مشروع يزاوج بين التقليد والحداثة و تطرقت هناك لمحاولات صناعة الزريعة من حبوب غير الذرة الرفيعة (العيش) وكانت نتائجها مذهلة.. حيث كانت التجربة في العام الأول ق.ح.س.س.
وهو تقويم جديد من (جديدي) يعني العام الأول قبل الحرب السودانية السودانية فانا احب الجديد والتجديد وتجدني دائماً ضد السكون السوداني (الطويـل).
من يتجول حول العالم يكتشف بسرعة أن (المطبخ السوداني) غير موجود إلا في وجدان السودانيين أنفسهم و خاصة في مهاجرهم حيث صار جزءً من الذاكرة والحنين وما يربطهم بالوطن هو (الكمونية) و (أم رقيقة) ومع ذلك لم يبذل السودانيون أي جهد حقيقي لـتطويره أو جذب الآخرين إليه…لكن… (دا ما موضوعنا).
فموضوعي هو المفروكة والقرع الذي ينتظر دورة (التغيير) و الجديد الذي لا يغيب في دنيا المتطلع للأجمل..
فالمطبخ السوداني ظل يتأرجح ما بين (التبائخ والمِلحات) ما بين (المطبوخ والمفروك) وحتي نضم القارئ غير السوداني للفهم لابد ان نوضح له ان (المفروك) طريقة طبخ سودانية تجعل (الطبيخ) سائلاً ثقيلاً لزجاً يُناسب خبز (الكسرة) المصنوع من الذرة الرفيعة (العيش) و يتناسب ايضاً مع خبز (القُراصة) المصنوع من القمح ولصناعة ذلك الخليط تستخدم الة تقليدية تسمي (المفراكة) و هي عصا تنتهي علي شكل صليب وهي عبارة عن:-
(Blender ) to blend
الملاح المفروك ليصبح شبه سائل …
لكننا اليوم مع المفروك تحديداً و مع محاولة إخراج هذا الفن من أسر الاعتماد على النباتات الورقية وحدها مثل الملوخية، السلج، الورق، الشمار، السبروق… إلخ.
و البامية هي الاستثناء الوحيد تقريباً بل هي سيدة (المفاريك) لأنها أصل (الويكة) و الويكة أصل (أم رقيقة) التي بدورها تمثل بدايات (المفروك والملائق… تقول الطرفة (ام رقيقة) إن أحدهم سأل عن طريقة عمل (ام رقيقة) اللذيذة التي نأكلها في المناسبات فقيل له:
(أم رقيقة في المناسبات بتعمل روحا براااها).
فما إن تُسلق اللحوم استعداداً لتحميرها حتى تكون أم رقيقة قد تشكلت وحدها وتبقي فقط اضافة (الويكة باودر) ثم فركها ..
لكن… دا (برضو ما موضوعنا).
و موضوعنا هو القرع ذلك الصنف الذي ظل محصوراً بقوة في مربع (التبيخ) دون أن يجرؤ أحد على إدخاله إلى عالم (المفروك).
أثناء الحرب (السودانية السودانية) و في أيام النزوح عندما وصلنا مدينة كسلا بشرق السودان أصابتني حمى الضنك هناك و عرف صديقي أن علاجها يعتمد على القرع فذهب إلى السوق وأتى بـ (قرعة) حجم عائلي، وسلمها لإحدى السيدات النازحات معنا لتعد لي بها شيئاً (ينفع الضنك) كما سمعنا فأبدعت السيدة وعملت (ملاح قرع مَكشّن البصلة)…
فغضب صاحبي غضباً عظيماً على قرعته التي ذهبت (شمار في مرقة) بدل أن تشفيني بالطريقة المعروفة عند الناس هناك إلا ان القرع عند تلك السيدة هو (المُلاح) فقط وفي المُلاح حصراً (التبيخ).
و من هنا تولدت عندي الفكرة لماذا لا نجرّب (مفروكة القرع)؟؟؟
المشكلة وين؟؟
وفيما بعد كانت (مفروكة القرع) إعلان ثورة منزلية و(التغيير) العجيب ..
بعد أن خرجنا من أرض الحرب واستقرينا في المهجر القسري قررت أن أنفذ الفكرة بعيداً عن (الرقابة المنزلية).. خوفاً من تهمة (دي شنو اللخبطة دي؟؟؟).
فحضرت (بالضراء) اي خفية مفروكة قرع و (لايقتها) بالويكة فكان الناتج مفروكة عجيبة لدرجة أن (الكسرة كملت كلها).
بعد أسبوع ولتثبت (ست البيت) سيطرتها و أنها ست البيت الحقيقية، قامت بطبخ القرع مع البامية، وأضافت إليه الشمار، ثم فركت المكونات جميعها…
فكانت (مفروكة قرع) ولا أروع.
و كما جرت العادة فالنصر دائماً للنساء (ستات البيوت) حين يؤمن بأهمية التغيير.
خلاصة الخلاصة خوفنا من التجربة والتغيير والاحلال والابدال هو ما (يفركنا) لنكون سائلاً لزجاً غير قابل للاخترق.
لماذا نخشى التجريب و(التغيير) حتى في أبسط الأمور مثل الطبخ؟؟؟
لولا التجربة، والخطأ، ثم تجاوز الخطأ للصواب لما وصل العالم إلى ما وصل إليه من تطور مذهل.
فلنجرب.
فلنغامر.
فلنخسر البدايات ونتجاوزها ان كان ذلك يمهد الطريق للصحيح من الفعل والإبداع فلنقترب من الحياة بجرأة (المفراكة) وهي تفرك (القرع) لأول مرة.
mtalab437@gmail.com

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى