الرأي والتحليل

الباقر عكاشة عثمان يكتب: ثقافة الشتات العربي في دول الجوار بين غياب الوطن وصدام الهوية

في كثير من مناطق وجود عرب الشتات على امتداد دول الاقليم تتكرر سمات تكاد تكون قاسما مشتركا في التجارب الاجتماعية لهذه المجموعات مهما اختلفت الجغرافيا أو تنوعت البيئات يعيش هؤلاء خارج إطار وطن جامع متفرّقين في مساحات لا تربطهم بها روابط دولة أو مؤسسات ما يجعل علاقتهم بالجغرافيا الجديدة علاقة انتفاع أكثر من كونها علاقة انتماء فهم ليسوا جزءا من نسيج دولة محددة بعينها ولا تربطهم الحواجز والسياسات التي تصوغ الهوية الوطنية الحديثة ولذلك تبقى هويتهم معلّقة بين الماضي والترحال والحاضر المؤلم.
هذا الوضع غير المستقر ينعكس بصورة واضحة على أنماط حياتهم، كثقافة مشتركة حيث يغيب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتضعف فرص الإنتاج والمعرفة والتنمية لتسود ثقافة يغلب عليها الطابع القبلي المقاتل لا المدني المنتج وفي بعض البيئات ينظر إلى ممارساتهم باعتبارها امتدادا لثقافة السلب والنهب يفتخرون بها وهي صورة نمطية تتضاعف بفعل غياب الاندماج في مؤسسات الدولة وضعف التعليم والخدمات ما يخلق دائرة مغلقة من التخلف والوصم المتبادل الأكثر تعقيدا في هذه التجربة ما يمكن وصفه بـ “الحقد المجتمعي” أو الشعور بالندية والخصومة تجاه المجتمعات المضيفة هذا الشعور ليس وليد اللحظة بل هو موروث اجتماعي تشكل عبر عقود من الصراع على الموارد ومساحات النفوذ وأصبح جزءا من الذاكرة الجمعية لهذه المجموعات وتأتي “ثقافة الفزع بما تحمله من قيم التعبئة السريعة والرد الفوري والولاء القبلي العابر للحدود لتعمق هذا الانفصال بين عرب الشتات وبين محيطهم الجديد.
لكن هذا التشخيص مهما بدا قاسيا لا ينبغي أن يتحول إلى حكم نهائي فالتاريخ يثبت أن أي جماعة حين تجد فرص التعليم والاندماج المؤسسي ومسارات التنمية التي تتحول تدريجيا من جماعة متمسكة بثقافة الصراع إلى جماعة منتجة قادرة على التعايش وهذا ما انتهجته بلادنا حيث كاد النسيج الاجتماعي ان يكتمل بتقارب ثقافات الرحل مع الحضر من القبائل المشتركة وذهبت بذلك بعيدا الا ان الايادي الخبيثة التي استقرت في عربة الفرملة لتحيل دون ذلك. المشكلة ليست في الهوية بقدر ما هي في غياب غياب الحكومات في الدول الجارة التي تحتضن وتوجه وتمنح الأفق لابعادهم ليستقر بهم المقام في دولة ما متى ما سنحت الفرصة فنجد الجماعات في ليبيا وتشاد والنيجر وافريقيا الوسطى تحاول حكوماتها التخلص منها مستغلين بعض من حواضن القبائل المشتركة في بلادنا لتمكينهم في الاستقرار في دارفور او ابادتهم في حرب ال دقلو مع المواطن قبل الحكومة القائمة
اقول لحكام هذه الدول ان مستقبل مناطق النزاع لن يحسم بزجها في الحروب ولا بثقافة الفزع،بل بتحويل عرب الشتات في بلادكم من جماعات معلّقة خارج الدولة إلى شركاء حقيقيين في بناءها فحيثما ولد الانتماء تراجعت النزعة المدمرة وحيثما وجد الوطن اختفت الحاجة إلى حياة السلب والنهب والفزع فالتحدي الاكبر كيف نُخرج هذه الجماعات من هامش الجغرافيا إلى مركز الدولة؟ وهذا سؤال لا يخصهم وحدهم، بل يخص مستقبل الاستقرار في المنطقة كلها..
ودمتم

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى