
عندما خطب الحجاج بن يوسف في الحاضرين وهو على منبر بالكوفة قائلا:
” أنا ابنُ جلا وطلاعُ الثنايا، متى أضع العمامة تعرفوني” لم يكن يملأ فراغ خطبته ولا يستعرض بلاغة لفظه، بل قصد أن يعلن عن شخصيته وسياسته الصارمة ويبعث رسالة مغلفة بالهيبة.. فالعمامة كما قيل هي تاج الرجال لأنها تمنح معتمرها وقارا وهيبة قبل أن تمنحه زينة وتميزا.
ولئن ارتبطت العمامة أو ( العِمة ) في بعض المجتمعات بدلالة دينية، ففي السودان زادت على ذلك معاني اجتماعية وثقافية عميقة.. والسودانيون اشتهروا بين الشعوب بالعمامة البيضاء الناصعة والمطوية بعناية أو بإهمال أنيق، حضورا في الأفراح، وتصدرا للمجالس حتى أصبحت بطاقة تعريف لهم حيثما حلوا ..
غير أن دوران الأيام وكر السنين لا يترك شيئا على حاله. فقد جاء جيل اليوم بعمامة أكثر نحافة ومطوية بزوايا هندسية محسوبة وبعضها ملون ولها ذيل خلفي أو ما نسميه بلغتنا الدارجة (العزبه)..
في حفل زواج كريمة زميلنا دكتور حسن المجمر، انقسم الحضور في القاعة إلى جزءين ، جزء يعتمر العمامة الفضفاضة، وجزء توحدت عمائمه الصغيرة كأنها خرجت من قالب واحد.. كان المشهد جديرا بالتأمل والملاحظة.
الأمر ليس معركة بين التراث والحداثة أو المزاوجة بينهما، لكن المشهد أثار تساؤلي :
أي العمامتين أفضل وأجمل؟.
وهل تستطيع عمامة الشباب أن تستدعي ذات الوقار والهيبة التي حملتها عمائم الآباء والأجداد؟ أم أنها ستسدد ضربة قاضية لعمامتنا التقليدية؟.
على جانب الحفل مازحت أحد أصحاب العمائم ( الشابة ) عن سر هذه ( اللَفة) الموحدة فقال لي بابتسامة لا تخلو من غمز :
“عِمتكم أصبحت في فتيل يا عم “.. ضحكت مع وخزة وجع وأدركت حينها أن الأمر لم يعد عِمةً فقط بل تعداه إلى لغة المخاطبة .. وأن كل زمن يلف عِمته( على كيفه) ويتحدث لغته بطريقته الخاصة.



