الرأي والتحليل

الصفر البارد.. جلال الدين محمد إبراهيم يكتب: عودة الحكومة للخرطوم وتعويضات للشعب

بعد أشهر من الابتعاد عن العاصمة الخرطوم، تعود الحكومة إلى مقرها الرئيس، لترى بأم العين ما كان خافياً عنها خلال وجودها في بورسودان. لقد كانت المسافة الجغرافية كفيلة بخلق فجوة وجدانية عميقة، حيث لم تكن الحكومة تشعر بشكل مباشر بمعاناة السكان الذين عانوا من فقدان كل شيء، وخاصة السيارات التي تعد شريان الحياة اليومي للكثيرين.
تعتبر ولاية الخرطوم هي اكثر ولاية تعرضت للدمار وللسرقات والنهب والقتل فلا يوجد مواطن في الخرطوم إلا وأصيب بكل أنواع الضرر من مليشيات الدعم السريع والمرتزقة، بالتالي يجب ان تركز حكومة (الأمل) على ولاية الخرطوم وان تعجل بوضع برنامج للتعويضات للشعب عاجل وليس اجل.
حكومة الامل الان امام اختبار رهيب، ولو فشلت فيه لن يقبلها الشعب، لذلك انصح حكومة الامل ان تعجل في إرضاء المواطن قبل إرضاء الحكومات في الولايات.
في بورسودان، كانت الحياة تسير بوتيرة مختلفة، بينما كانت الخرطوم تشهد دماراً هائلاً. المواطنون فقدوا منازلهم، أعمالهم، وسائل رزقهم، ولكن الأكثر إيلاماً هو فقدان سياراتهم التي تمثل بالنسبة للكثيرين ليس مجرد وسيلة نقل، بل مصدر دخل وعاملاً أساسياً في تأمين لقمة العيش. سيارات الأجرة، وسائل النقل العام، مركبات البضائع، سيارات الأسرة – جميعها اختفت تحت الأنقاض أو نُهبت أو دُمرت، تاركة أصحابها في حيرة من أمرهم وكيفية مواصلة الحياة.
الآن، وبعد عودة الحكومة إلى الخرطوم، تواجه وجهاً لوجه مع حجم المأساة التي عاشها الشعب. هذه العودة تمثل فرصة تاريخية لتصحيح المسار وإظهار التعاطف الحقيقي مع المعاناة اليومية للناس. ولكن العودة الجغرافية وحدها لا تكفي؛ بل يجب أن تترجم إلى إجراءات ملموسة تلمس جراح المواطنين وتخفف من معاناتهم.
ومن أبرز هذه الإجراءات المقترحة هو منح تعويض عادل لكل من فقد سيارته في الأحداث المؤسفة. هذا التعويض يجب أن يتخذ شكل إعفاء جمركي كامل لاستيراد سيارة بديلة، للمواطنين استعادة جزء من قدرتهم على الحركة والعمل. ولكن هذه المبادرة يجب أن تكون مصحوبة بضمانات تحول دون استغلالها، حيث يقترح أن يشترط منح هذا الإعفاء بشرط عدم جواز نقل ملكية السيارة المستوردة إلا بعد مضي خمس سنوات على الأقل.
هذا الشرط ليس تقييداً للحريات، بل ضمانة لتحقيق الهدف الاجتماعي من التعويض. فهو يمنع المتلاعبين من تحويل هذه المبادرة الإنسانية إلى تجارة مربحة، ويضمن وصول الدعم إلى المحتاجين الحقيقيين الذين فقدوا سياراتهم بالفعل. كما أن هذه الفترة الزمنية كفيلة بمساعدة الأسر على إعادة بناء حياتهم واستقرارهم المعيشي.
إن تقديم مثل هذا الدعم ليس منة من الحكومة، بل واجب أخلاقي وقانوني تجاه مواطنين عانوا بسبب ظروف خارجة عن إرادتهم. وهو استثمار في استعادة النسيج الاجتماعي والاقتصادي للخرطوم، حيث أن تمكين الأفراد من وسائل النقل يساهم في إعادة دوران عجلة الاقتصاد المحلي، وتخفيف أزمات النقل، وإعادة الحياة الطبيعية إلى شوارع العاصمة.
عودة الحكومة إلى الخرطوم يجب أن تكون بداية لمرحلة جديدة من المسؤولية والانتماء. مرحلة تدرك فيها الحكومة أن شرعيتها الحقيقية تأتي من قدرتها على فهم معاناة شعبها والتعامل معها بجدية وحزم. تعويض أصحاب السيارات المدمرة ليس مجرد بند في ميزانية، بل رسالة أمل وثقة تبعثها الحكومة في نفوس المواطنين، مفادها أن غيابها الجغرافي السابق لن يتكرر على مستوى الضمير والمسؤولية.
اخر المداد:
ندعو الحكومة إلى ترجمة مشاعر التعاطف التي تولدت بعد رؤية الدمار إلى برامج تنموية وتعويضية عاجلة. لأن الشعب الذي فقد كل شيء يستحق أكثر من مجرد وعود، يستحق خطوات عملية تثبت أن الحكومة موجودة لخدمته وليس العكس. وعودة الحكومة إلى الخرطوم يجب أن تعني، قبل كل شيء، عودة الأمل لشعب عرف المعنى الحقيقي للخسارة.
فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى