الرأي والتحليل

الكلام الدغري.. هشام أحمد المصطفى أبو هيام يكتب: الشهيد رياض ود العشيو: زهرة الإيدرساب ووجه الخير في سرحان الشيخ تاي الله.. (الجزء الثالث)

مقدمة: حين تُزهِر الطيبة في قلب شاب
ليست كل القلوب سواء، فهناك من يمشي بين الناس كأنه رحمة تمشي على الأرض، وهكذا كان الشهيد رياض ود العشيو، شابًا خرج من رحم القرية الطيبة “سرحان الشيخ تاي”، فكان زينة شبابها، ونبراس أخلاقها، ومبعث أملها. لم يكن رياض مجرد اسم في دفتر الحياة، بل كان صفحة ناصعة البياض، ترك أثره في القلوب قبل أن يودع الدنيا شهيدًا، وتبقى سيرته العطرة تنبض بالحياة.
فصول الطيبة المبكرة: نشأته وتربيته
وُلد رياض في كنف أسرة كريمة، عُرفت بالتقوى والكرم، وكان منذ صغره مميزًا بهدوئه، وانضباطه، واحترامه للناس. نشأ في بيئة تعلي من شأن القيم والمروءة، وتحتضن معاني النخوة والشهامة، فتشرّبها كالماء، ومارسها دون تكلّف.
لم يكن من أولئك الذين يتعجرفون أو يتفاخرون، بل كان متواضعًا، يعامل الجميع بلين ورحمة، سواء أكانوا صغارًا أو كبارًا. عرفه الناس بمحبته للعافية، وكراهيته للخصام، وكان إذا حضرت مشكلة بين اثنين، بادر بالسعي للإصلاح، وكأنما يحمل رسالة للسلام في صدره.
رياض في قلوب الناس: المحبة التي لا تُشترى
كان رياض من أولئك الذين يتركون أثرًا حيثما مروا. لم يكن هناك بيت في الإيدرساب إلا وله فيه ذكر حسن أو موقف كريم. كانت محبته تلقائية، خالية من المجاملة، لأنه ببساطة كان صادقًا مع نفسه ومع الناس.
قال عنه أحد أصدقائه: “لو كنا في همّ أو ضيق، لم نذكر غير رياض، وإذا فرحنا، ناديناه ليشاركنا؛ لأن الفرح منقوص بدونه.”، وهذا دليل على أن الشهيد لم يكن صديقًا فقط، بل كان جزءًا من الروح الجماعية للمنطقة، لا يُستغنى عنه.
ولعل أعظم ما يميز رياض هو أنّه كان قريبًا من الفقراء والمساكين، يساعدهم بيده ولسانه ووقته، ويحرص على ستر المحتاجين دون أن يُشعرهم بمنة. كان إذا جاءه رزق، سأل عن جاره قبل أن ينظر إلى بيته، وإن رأى كسرة خبز في بيت جائع، بادر بالمشاركة.
روح المبادرة والعمل الطوعي

IMG 20250510 WA0182
منذ سنين شبابه الأولى، برز نشاط رياض في المبادرات المجتمعية. شارك في تنظيم القوافل الصحية، وكان يحضر حملات النظافة، ويشارك في إصلاح المدارس والمساجد. لم يكن يميز بين عمل كبير أو صغير، فكل ما يخدم الناس عنده له قيمة، وكان يؤمن أن خدمة الآخرين عبادة.
حين يمرض أحد الجيران، تجده أول الحاضرين، وإن وقع حادث، تجده في قلب الحدث، يداوي ويُسعف ويُهدئ. لم يكن يحب الحديث كثيرًا عن أفعاله، بل ينجز بصمت، لأن نُبله كان مغروسًا في فطرته.
الشجاعة والرجولة: مواقف لا تُنسى
كانت شجاعة رياض نموذجية، ليست شجاعة التهور، بل شجاعة العقل والمسؤولية. لم يتردد في الوقوف إلى جانب الحق، ولم يخش في سبيل ذلك لوم لائم. إذا رأى مظلومًا، وقف معه. وإذا لمس ظلمًا، تكلم، حتى لو كلّفه ذلك الكثير.
وفي مواقف الأزمات، كان أول من يتقدم الصفوف. وقد عُرف برباطة جأشه في المواقف الصعبة، وكان الناس يطمئنون لحضوره، فهو لا يجزع، ولا يتراجع.
ذات مرة، حين شبّ حريق في أحد بيوت الجيران، اندفع رياض وسط اللهب لينقذ طفلًا عالقًا، رغم خطر النيران، فأنقذه وخرج بملابسه محترقة. لم يُرد بذلك شهرة ولا إشادة، بل اعتبره واجبًا إنسانيًا لا يُنتظر عليه ثناء.
علاقته بالشيوخ والنساء والصغار
كان رياض يحترم كبار السن، يجلس معهم، يستمع إلى حكمهم، ويُقبّل أيديهم حبًا ووفاءً. وإذا مرّ بشيخ مريض، وقف عنده وسأله عن حاله. أما النساء، فكنّ يجدن فيه أخًا وابنًا، يساعد في حمل الأثقال، ويحترم خصوصياتهن، ويكرمهن في المجالس.
أما الأطفال، فكانوا يحبونه حبًا جمًا، لأنهم وجدوا فيه أخًا وصديقًا، يلعب معهم، ويداعبهم، ويصغي لهم. كان إذا خرج إلى الشارع، استقبلته ضحكات الأطفال ونداءاتهم، لأنهم يعرفون أنه يشاركهم البراءة.

IMG 20250510 WA0183
موقف الشهادة: اللحظة التي كتب فيها الخلود
شاء الله أن يُختم لرياض بخاتمة الشهداء، وأن يرتقي في مشهد يعكس صدقه وشهامته. فقد استُشهد وهو يدافع عن أرضه، وعن أهله، وعن ما آمن به من قيم. لم يتأخر، ولم يتراجع، بل واجه الخطر كما اعتاد، فارتقى وهو ثابت، واثق، شجاع، كما كان في حياته كلها.
ولئن غابت ابتسامته عن الوجوه، فإنها بقيت مرسومة في ذاكرة من عرفه. وبقي دمه الطاهر شاهدًا على أنه عاش كريمًا، ومات عزيزًا، وترك خلفه قصة تُروى للأجيال.
حزن القرية: وجع الفقد ودموع الصبر
حين نُقل خبر استشهاده، عمّ الحزن في الإيدرساب، وبكت سرحان الشيخ تاي الله بكاءً لم تعرفه منذ سنين. رجال ونساء، صغار وكبار، خرجوا يشيعونه والدموع تغسل وجوههم، والقلوب تلهج بالدعاء له.
لم يكن الحزن فقط على شاب مات، بل على قلب كان ينبض حبًا للناس، وعلى نفس لم تعرف إلا الخير. وقد قال أحد جيرانه باكيًا: “لم نكن نعلم أن رياض يعني لنا كل هذا، إلا عندما رحل، فرأينا الدنيا بعده باهتة.”
رسائل من القلوب: كيف يتحدث الناس عنه بعد الرحيل؟
من أصدقائه: “كنا نخطط لمستقبل مشترك، لكن رياض سبقنا إلى الجنة، ونحن نكمل الطريق باسمه.”
من جيرانه: “كان إذا سمع بابًا يُطرق ليلًا، خرج ليسأل من الطارق، ليس بدافع الفضول، بل ليطمئن إن كان ثمة حاجة أو ألم.”

IMG 20250510 WA0180
من أطفال الحي: “رياض كان بيجيب لينا كورة جديدة، ويخلي اللعب عدل، بنحبّه شديد.”
إرث رياض: ما الذي تركه لنا؟
ترك الشهيد رياض إرثًا أخلاقيًا عظيمًا. علم الناس أن الطيبة ليست ضعفًا، بل قوة. أن الشجاعة ليست في العراك، بل في الدفاع عن الحق. أن الخدمة ليست وظيفة، بل رسالة. وأن الحياة، مهما طالت، لا قيمة لها إن لم تُعش من أجل الآخرين.
وقدومن المفترض ان بدأ شباب المنطقة، بعد وفاته، إطلاق اسمه على عدد من المبادرات وانشاء. “صندوق رياض الخيري” لمساعدة المحتاجين، وأُقامة”دورة رياض الرياضية” ، تخليدًا لذكراه، وكتب بعضهم أبياتًا شعرية تقول:
“رحلت يا رياض وما رحلت سيرتك
زرعت خيراً في الدروب وسيرتك عبقة
نم قرير العين يا طيب المعاني
يا شهيدًا بالرجولة موثقة.”
خاتمة: طيف لا يغيب

IMG 20250510 WA0184
الشهيد رياض ود العشيو، لم يكن شخصًا عاديًا، بل كان حالة من النقاء الإنساني. رجل جمع بين الطيبة والشجاعة، وبين السخاء والحياء، وبين البساطة والكرامة. كتب سيرة حياته في قلوب الناس، وترك أثرًا لا يُمحى.
رحل رياض، لكن اسمه لم يرحل. ما زال يُذكر في كل مجلس، وتُروى عنه المآثر في كل مناسبة، لأنه ببساطة، كان الإنسان الذي تمنى الجميع أن يكونوا مثله.
رحمك الله يا رياض، وأسكنك فسيح جناته، وجعلنا من السائرين على دربك.
الشهيد رياض ود العشيو: سيرة طيبة وشجاعة خالدة
في قلب منطقة سرحان الشيخ تاي، بزغ نجمٌ لا يُنسى، وعاش بين الناس رجلٌ أحبوه بصدق، إنه الشهيد رياض ود العشيو، الذي كان يمشي وسط الناس صالحًا، فالحًا، مودهبًا، ويحب عمل الخير، فاستحق بذلك مكانة عظيمة في قلوب أهله وأصدقائه وكل من عرفه.
منذ صباه، تميز رياض بالهدوء والوقار، وكان أهل الحي يلاحظون عليه نضجًا مبكرًا، يُحسن الجلوس مع الكبار، ويتحدث بأدب وتواضع. لم يكن يسعى إلى الشهرة ولا يتصنع الظهور، بل كان شعاره في الحياة: “الخير في الناس باقٍ ما بقي الصدق والنية الطيبة”.
قلبه على الناس: الخير نهجه ومسعاه
كان رياض لا يتوانى عن تقديم المساعدة، ويشارك في كل المبادرات الخيرية والاجتماعية. من إصلاح المدارس، إلى تقديم المساعدة للمرضى، إلى الوقوف مع من فقدوا مأواهم، كان حاضرًا بروحه ويده وماله.
قال عنه أحد جيرانه: “كنا إذا احتجنا لشخص نثق فيه في أي عمل عام، أول من يخطر في بالنا رياض، لأنه دائمًا جاهز، لا يخذل أحدًا، ولا يطلب مقابلًا”.

IMG 20250510 WA0181
كانت مساهماته تمتد حتى للغرباء، فكم من مرة سُمع عنه أنه ساعد شخصًا لا يعرفه في الطريق، أو ساهم في دفع تكاليف علاج لطفل لا علاقة له به. كان يؤمن أن فعل الخير لا يحتاج معرفة سابقة، بل يحتاج قلبًا حيًا.
شجاعته في الميدان: شهيد الكرامة
لم يكن طيب القلب فقط، بل كان شجاعًا جسورًا، لا يخشى المواقف الصعبة. وعندما حان وقت الشدة، تقدّم الصفوف، ووقف حيث يتراجع الجبناء.
كان من أوائل الذين لبّوا نداء الوطن حين داهمته المحن، فخرج مدافعًا عن الأرض والعِرض، واقفًا في الصفوف الأمامية دون تردد. وحين اشتد الخطر، لم يهرب، بل واجه ببسالة حتى لاقى ربه شهيدًا.
قال أحد رفاقه في السلاح: “رياض كان يمشي أمامنا دائمًا، وكان يقول: (لو أنا وقعت، إنتو أكملوا الطريق)، وكأنما كان يشعر أن نهايته قريبة، لكنه لم يتراجع، ولم يخف”.
أبوة من نوع خاص: رياض وطفله الوحيد
كان الشهيد رياض أبًا لطفلٍ صغير، هو النبض الذي يملأ قلبه، والحلم الذي يراهن عليه لمستقبل أفضل. لم يكن حبه لابنه حبًّا عاديًا، بل كان حبًا ممزوجًا بالمسؤولية والرحمة والحنان. كان يرى في طفله امتدادًا لحياته، ونقطة الضوء التي يُعلّق عليها أمنياته كلها.
منذ لحظة ولادته، لم يتركه، فكان يُلبّيه إذا بكى، ويحمله إن أراد الدفء، ويغنّي له بصوتٍ خافت كلما حاول أن ينام. لم يكن يرى في الأبوة عبئًا، بل كان يراها رسالة يومية تؤدى بالحب.
وقد قال أحد المقربين منه: “رياض كان إذا رأى طفله نائمًا، يظل يحدّق فيه وكأنما يرى الدنيا كلها أمامه، ثم يُقبّله وهمساته لا تفارق مسامعه: (بابا بحبك وماتخاف، أنا حا أكون ليك سند).”
وكم كانت تلك الكلمات ثقيلة على القلوب حين ارتقى رياض شهيدًا، وترك وراءه طفلاً صغيرًا يسأل عن أبيه كل صباح. لم يكن يدرك أن والده لن يعود، لكنه كان يشعر بغيابه في حضنه، في ضحكته، في الأمان الذي فقده فجأة.
ولم تتوقف القصص هنا، بل كانت لحظات توديعه لابنه قبل استشهاده مؤثرة للغاية، فقد قبّله كما اعتاد، لكنه أطال النظرة هذه المرة، وكأنما كان يودعه إلى الأبد. قال لمن حوله يومها: “ادّوا بالكم عليه… ده روحي ذاتا.”
وها هو الطفل اليوم، يحمل ملامح أبيه، وربما يحمل قلبه الطيب كذلك. سيرتقي باسمه، وسيحكي الناس له عن أبيه الذي كان يمشي بين الناس صالحًا، فالحًا، مودهبًا، ويحب عمل الخير.

IMG 20250510 WA0179
حب ووفاء: رياض لزوجته وأهلها
لم يكن رياض مجرد زوج، بل كان رفيقًا حقيقيًا لزوجته، وصديقًا يملأ حياتها بالأمان والمودة. أحبها منذ أن جمعهما الرباط الشرعي، واحترمها في كل المواقف، فكان لها سندًا في الشدة، ورفيقًا في الفرح، وملجأً في الحيرة.
لم يُعرف عنه يومًا أنه علا صوته عليها، أو قصّر في واجبه تجاهها. بل على العكس، كان يرى أن حسن العشرة عبادة، وأن المرأة شريكة حياة لا خادمة. كان إذا عاد إلى البيت، سألها عن يومها، وشاركها تفاصيله، وأصغى إليها كأنها أول وأهم ما في الحياة.
وكان دائمًا يقول لمن حوله: “مرتي دي ما بلقى زيها، ما قصّرت معاي يوم، وهي بركة البيت، والدعاء البرد علي ظهري.”
أما أهل زوجته، فقد كانوا يرونه ابنًا لا صهرًا. كان يحترمهم، ويصلهم، ويُشاركهم في أفراحهم وأتراحهم، ويعطيهم نفس القدر من الحب الذي يمنحه لأهله. لم يُفرّق يومًا بين “أهل الزوجة” و”الأقارب”، بل كان يعتبر الأسرة الممتدة ساحة للرحمة لا للتقسيم.
وكان إذا مرض والد زوجته، بادر بالعلاج، وإذا احتاجت شقيقة زوجته لمساعدة، لبّى دون تردد. وكان يوصي زوجته دائمًا قائلًا: “أهلك أهلي، ومن يكرمهم كأنما أكرمني، وما بخير الزوج إلا اللي يحب أهل مرته.”
ولهذا، حين جاء خبر استشهاده، بكت زوجته بدمعٍ حارق، وبكت معها أمّها وأخواتها وأهلها، لأنهم فقدوا ابنًا قبل أن يفقدوا زوج ابنتهم. ولأن رياض، في حياته، جعل من الحب والوفاء جسورًا لا تنقطع.
رجل المجتمع: البساطة في العظمة
كان رياض رغم كل هذه الصفات، بسيطًا لا يُحب التفاخر، يجلس مع الكبير والصغير، يُمازح الأطفال، ويُشارك الشيوخ في المجالس. كان وجهه دائم البشاشة، وكلماته لا تجرح أحدًا.
كان محبوبًا لأنه لم يكن يُمثل دورًا، بل كان صادقًا في كل شيء. إذا وعد وفى، وإذا تحدّث صدق، وإذا غاب سأل الناس عنه لأنه كان وجوده يعني لهم السكينة.
الختام: رياض باقٍ فينا
رحل رياض، لكنه لم يغب عن القلوب. بقيت ذكراه حيّة، في أزقة الحي، في دعوات الناس، في طفله الصغير، في دموع زوجته، في قصص الخير التي ما زالت تُروى عنه.
إننا حين نكتب عن رياض، لا نكتب عن شخصٍ رحل فقط، بل نكتب عن معنى الشهامة والإنسانية في رجلٍ كان واحدًا منا، لكنه ارتقى لأنه اختار طريق الحق والخير.
رحم الله رياض ود العشيو، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وجعل ابنه قُرة عين لأمه، وسندًا يحمل راية والده يومًا ما، ويكمل الطريق على خطى طيبة وذكرٍ عاطر.
اللهم بلغت فاشهد

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى