الرأي والتحليل

الكلام الدغري.. هشام أحمد المصطفى (أبو هيام) يكتب: ضعف وكيل وزارة الري يهدد جهود التنمية في السودان.. نداء إلى السيد البرهان

مقدمة: أزمة في قلب التنمية
في ظل ما يمر به السودان من أزمات متلاحقة تمس جميع مناحي الحياة، يبقى قطاع الري حجر الزاوية في أي مشروع تنموي حقيقي. السودان بلد النيل، وبلد الزراعة، وبلد الموارد المائية الهائلة، ومع ذلك نجد أنفسنا عاجزين عن إدارة هذا المورد الحاسم بصورة علمية وفعالة. وفي صلب هذه الإخفاقات، يبرز ضعف أداء وكيل وزارة الري كعامل أساسي يقف حجر عثرة في طريق التقدم.
إدارة الموارد المائية ليست عملاً روتينيًا، بل مسؤولية وطنية حساسة تتطلب علمًا وخبرة وشجاعة في اتخاذ القرار، خاصة في ظل التغيرات المناخية الحادة، والتوسع السكاني، والتحديات الجيوسياسية المتعلقة بمياه النيل. لكن الواقع يشير إلى أن القيادة الحالية للوزارة، وتحديدًا في منصب وكيل الوزارة، لا ترتقي إلى مستوى هذه المسؤولية.

IMG 20251015 WA0663
أداء ضعيف وعجز عن إدارة الأزمات
من أبرز مظاهر هذا الضعف هو العجز الواضح في إدارة أزمات الري الموسمية، التي أصبحت متكررة ومعروفة مسبقًا في توقيتها وحدتها. مواسم الجفاف، وارتفاع مناسيب النيل، والفيضانات السنوية، كلها باتت سيناريوهات مكررة دون أي استعداد مسبق أو استجابة فعالة.
ويعاني مزارعو الجزيرة، والضمان، والرهد، والشمالية، من غياب التنسيق، وانعدام المتابعة الميدانية، وتأخر الصيانة في قنوات الري. فالمشاريع الزراعية الكبرى – التي كانت يومًا مفخرة السودان – أصبحت اليوم مجرد خرائط على الورق، تنهشها البيروقراطية، والفساد، وسوء الإدارة.
ولا يخفى على أحد أن وكيل الوزارة الحالي غير قادر على مجاراة تعقيدات الواقع، لا على المستوى الفني ولا الإداري، ولا يمتلك خطة استراتيجية واضحة المعالم أو رؤية مستقبلية للنهوض بالقطاع.
الخوف من الإعلام… والابتعاد عن المواجهة
في مبادرة إعلامية مسؤولة، حاولت قناة المسار الفضائية فتح باب الحوار مع وكيل الوزارة، بهدف تمليك الرأي العام المعلومة الصحيحة، وطرح الأسئلة التي تشغل المواطن. ولكن، وللأسف الشديد، أبدى وكيل الوزارة خوفًا وتوجّسًا، ورفض الظهور الإعلامي أو إجراء الحوار، متحججًا بأعذار واهية لا تليق بمقامه.
هذا التصرف لا يُعبّر فقط عن ضعف في التواصل والقيادة، بل يُظهر غياب الشجاعة الأدبية، والشفافية، والقدرة على تحمل المسؤولية أمام المواطنين. فالمسؤول الذي يخاف من مواجهة الإعلام، بالتأكيد لن يكون قادرًا على مواجهة التحديات الحقيقية على الأرض.

IMG 20251015 WA0660
موقف مشرّف من الجيلي صالح
في المقابل، لا بد من الإشادة بموقف مدير المكتب الفني بوزارة الري، المهندس الجيلي صالح، الذي أبدى روحًا عالية من المسؤولية، وتعامل مع الفريق الإعلامي باحترام ومهنية، وعبّر عن استعداده للتعاون من أجل إيصال الحقائق للمواطن. مثل هذه النماذج الوطنية تُعطي الأمل، وتُثبت أن السودان لا يزال يزخر بالكفاءات المخلصة، لكنّها غالبًا ما تكون مُهمّشة أو غير ممكّنة بسبب خلل في هيكل القيادة.
تأثير مباشر على الأمن الغذائي والاقتصاد
عندما نتحدث عن ضعف وزارة الري، فنحن لا نتحدث عن مشكلة إدارية معزولة، بل عن تهديد مباشر للأمن الغذائي في السودان. ملايين المزارعين يعوّلون على انسياب المياه في قنوات الري، على توقيتٍ دقيق، وعلى إدارة متوازنة لمواسم الزراعة. أي خلل في هذا التوازن يؤدي إلى خسائر فادحة في الإنتاج، وارتفاع أسعار السلع، وانعدام الأمن الغذائي.
ويؤثر هذا التراجع أيضًا على الاقتصاد الوطني، إذ أن السودان بلد زراعي بالدرجة الأولى، وكان يُمكن له – لو أُديرت موارده بكفاءة – أن يكون سلة غذاء إفريقيا. لكن غياب الرؤية والاستراتيجيات، وتغليب المصالح الشخصية، وتعيين أشخاص غير مؤهلين في مواقع حساسة، كلها أمور قادتنا إلى ما نحن فيه الآن.
مقارنة إقليمية: ما الذي ينقصنا؟
عند النظر إلى تجارب الدول المجاورة مثل مصر أو إثيوبيا أو حتى رواندا، نرى أن هناك استثمارًا حقيقيًا في إدارة المياه، سواء عبر بناء السدود، أو تحديث أنظمة الري، أو استخدام التكنولوجيا في مراقبة الموارد المائية. بينما في السودان، ما زلنا نعاني من تهالك البنية التحتية، وغياب التحديث، وعدم وجود قاعدة بيانات دقيقة تُعتمد عليها في التخطيط.
ما ينقصنا ليس المال فقط، بل الإرادة السياسية، والكفاءة الإدارية، والنزاهة في إدارة هذا المورد الحيوي.
توصيات عاجلة لإصلاح قطاع الري
في ضوء ما سبق، نطرح مجموعة من التوصيات العاجلة التي يمكن أن تُساهم في إنقاذ قطاع الري من الانهيار:
إقالة وكيل وزارة الري الحالي، وتعيين شخصية ذات خبرة ميدانية وتخصص أكاديمي في إدارة المياه والري.
إعادة هيكلة الوزارة بما يضمن تقليص التمكين والمجاملات، وتوسيع قاعدة الكفاءات الوطنية المؤهلة.
إعداد خطة وطنية متكاملة للري تشمل صيانة البنية التحتية، وتحسين كفاءة توزيع المياه، والتعامل مع الكوارث الطبيعية.
الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في إدارة الموارد المائية، مثل الاستشعار عن بُعد، ونظم الإنذار المبكر، وأنظمة الري الذكي.
إشراك المجتمعات المحلية والمزارعين في اتخاذ القرار، وتعزيز الشفافية في المشاريع.
تحفيز التعاون الإقليمي والدولي في مجالات التدريب، وتمويل مشاريع الري، والاستفادة من التجارب الناجحة.
دعوة صريحة للسيد البرهان
إننا نوجّه نداءً واضحًا إلى سيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، أن يتدخل بحسم لإنقاذ هذا القطاع الحساس. الوضع لا يحتمل المزيد من التأجيل، وكل يوم يمر في ظل هذا الأداء الضعيف، هو خسارة مباشرة للمواطن والدولة.
فليكن التغيير من وزارة الري، ولتُفتح الأبواب أمام الكفاءات، ولتُغلق أمام من يخشون مواجهة الناس والإعلام والحقائق.
خاتمة: إما الإصلاح أو المزيد من الانهيار
إن السودان لا يعاني من نقص في الموارد، بل من نقص في الإدارة الصالحة والرؤية الواضحة. وما يحدث في وزارة الري هو مثال صارخ على ذلك. حين تُهمل القيادة، ويتراخى الأداء، ويخاف المسؤول من مواجهة الرأي العام، فاعلم أن الخطر قادم.
إننا نكتب هذا المقال لا بدافع الانتقاد، بل بدافع الحرص على وطننا، وحرصًا على مستقبل أجيال تستحق أن تعيش في بلد يحترم موارده ويُحسن إدارتها.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى