الرأي والتحليل

الكلام الدغري.. هشام أحمد المصطفى (أبو هيام) يكتب: الدكتور: هيثم محمد إبراهيم وزير الصحة… حين تسبق الأمانةُ القراراتِ فتتعافى المستشفياتُ قبل الجدران

في زمنٍ تختلط فيه الأوجاع بالأسئلة الثقيلة، وتتعاظم فيه مشاهد الخراب في المدن والقرى السودانية، يصبح الحديث عن الصحة حديثًا عن حياة وطن بأكمله، لا عن مؤسسة حكومية. فمن لا يملك مستشفى قادرًا على استقبال جريح أو مريض، هو وطنٌ مهدّد في إنسانيته قبل أن يكون مهدّدًا في استقراره. وسط هذا الظرف بالغ التعقيد، يبرز دور المسؤولين الذين اختاروا أن يكونوا جزءًا من الحل لا جزءًا من الأزمة، وفي مقدمتهم هيثم محمد إبراهيم، وزير الصحة، الذي تحوّل حضوره إلى نقطة ضوء في مشهد كثيف العتمة.
لم يكن القطاع الصحي في السودان يعيش رخاءً حتى قبل اندلاع الحرب؛ كانت المشكلات متراكمة، والموارد محدودة، والاحتياجات ضخمة. لكن الحرب جاءت كالمطرقة التي هوت على كل ما تبقى من قدرات النظام الصحي. أغلقت مستشفيات عريقة أبوابها، وهُجرت مراكز الرعاية الأولية، وتضررت مخازن الإمدادات، وانقطعت الكهرباء عن غرف العمليات، وتشتتت الخبرات الطبية في اتجاهات مختلفة، بعضها نحو النزوح، وبعضها نحو الهجرة، وبعضها بقي في الميدان رغم المخاطر. وفي تلك اللحظة الحرجة، لم يكن السؤال: “هل يمكن الإصلاح؟” بل كان السؤال الأكثر إلحاحًا: من سيبدأ الإصلاح؟
IMG 20250927 WA1267
ما فعله وزير الصحة لم يكن مجرد محاولة لإدارة وضع متدهور، بل كان أشبه بمحاولة إعادة بناء منظومة تنهار ببطء. ولأن القرارات العاجلة لا يمكن أن تُبنى على الظنون، كان أول ما قام به هو النزول إلى الميدان. وفي بلدٍ أنهكته الحروب، تصبح خطوة كهذه فعلًا استثنائيًا. فوجود الوزير وسط الركام، وسيره بين غرف العمليات التي انهارت أسقفها، ووقوفه بين الكوادر التي واصلت العمل رغم الظروف، لم يكن مجرد حضور رمزي، بل كان إعلانًا أن القيادة اختارت أن ترى بأعينها قبل أن تتحدث بلسانها.
من بين المشاهد التي رُويت عن زياراته، تلك التي وصفها أحد الأطباء بأنها لحظة “استعادة الروح”، حين وقف الوزير أمام مدخل مستشفى متضرر وقال: “ما دام هنا عامل واحد ما زال واقفًا، فالمستشفى لم يمت.” مثل هذا القول، حين يصدر عن مسؤول حاضر في الميدان، لا يكون مجرد كلام، بل يكون وعدًا، والوعد هنا هو بداية التعافي.
لقد انطلقت رحلة تعافي القطاع الصحي من واقع صعب، لكنه واقع تمت مواجهته بخطة تعتمد على الواقعية لا على الأمنيات. أولًا، أعيد تشغيل أقسام الطوارئ في عدد من المستشفيات المرجعية عبر توفير حدٍّ أدنى من الطاقة البديلة، وإعادة توصيل شبكات الأكسجين، وتوفير المستلزمات الجراحية الضرورية. بعض هذه الأقسام عاد إلى العمل في وقت قصير قياسًا بحجم الضرر، وكان ذلك ممكنًا لأن الوزارة اختارت أن تعمل على ما هو عاجل قبل ما هو كامل، وعلى ما ينقذ الأرواح قبل ما يُبهج الصور.
ومن أهم الخطوات التي جاءت في سياق التعافي إعادة توزيع الكوادر الصحية. فالمشكلة لم تكن في الخراب المادي فحسب، بل في الفراغ البشري الذي تركه النزوح. ومع ذلك، استطاعت الوزارة إعادة توزيع الأطباء والممرضين عبر خطط مدروسة، وقدّمت لهم ما أمكن من دعم لوجستي، سواء في السكن أو التنقل أو الحوافز. وبذلك عاد العديد من المرافق إلى استقبال المرضى بعد أن كانت مغلقة أو شبه مغلقة.

IMG 20250927 WA1405
الدعم الذي قدمته وزارة الصحة للمستشفيات المتضررة لم يكن عشوائيًا، ولا قائمًا على حسابات سياسية أو اجتماعية، بل كان قائمًا على معيار واحد: الأولوية الصحية. فالمستشفى الذي يقع في منطقة مكتظة بالسكان ويخدم آلاف الأسر، كان يُعاد تشغيله قبل غيره، وإن كان في منطقة نائية، فكان أيضًا يُمنح الاهتمام إذا كان هو المرفق الوحيد المتاح لمساحة جغرافية واسعة. وهذه المقاربة القائمة على العدالة هي التي جعلت المواطنين يشعرون بأن الوزارة تعمل لخدمتهم جميعًا، لا لخدمة فئة دون أخرى.
إن الحديث عن جهود الوزير لا يتوقف عند القرارات الإدارية ولا التحركات في الميدان، بل يتجاوز ذلك إلى صفة أصبحت محل تقدير واسع: النزاهة. فكثير من العاملين في القطاع الصحي يشيرون إلى أن الوزير يتعامل مع الملفات بشفافية واضحة، ولا يدخل في تنازلات قد تمنح نتيجة سريعة لكنها تضر بالنظام الصحي على المدى الطويل. وليس من السهل أن يعمل مسؤول في ظروف كهذه دون أن يقع تحت ضغط المساومات أو الإغراءات، لكن ما ميز هيثم محمد إبراهيم هو أنه اختار الطريق الأصعب: طريق الأمانة المهنية.
الأمانة، حين تكون في منصب عام، تتحول إلى قيمة مضاعفة. فهي ليست مجرد سلوك شخصي، بل عنصر أساسي في بناء الثقة بين المواطن والدولة. وحين يرى المواطن أن من يدير ملف الصحة شخص صادق لا يعد بغير الممكن، ويواجه الناس بالحقائق كما هي، ويعمل بصمت أكبر من ظهوره الإعلامي، فإنه يشعر بأن مستقبله الصحي ليس موضوعًا للمساومة.
هذه الأمانة ظهرت في أسلوبه في التعامل مع الدعم الدولي. فقد أكد في عدة مناسبات ضرورة توجيه المساعدات مباشرة للمرافق التي تحتاجها دون تجاوزات أو صرف خارج الأطر الرسمية. وقد نقل عدد من المسؤولين الصحيين أنّ الوزير كان شديد الحرص على أن تكون كل عملية توزيع شفافة، وأن تصل الإمدادات إلى المستشفيات التي تعمل في الخطوط الأمامية، لا إلى مخازن قد تبقى مغلقة لفترة طويلة.
وفي لحظة كانت فيها لغة الشك تحاصر كل شيء، كانت النزاهة هي الدليل الوحيد على أن العمل يُدار بضمير. وهذا الدليل، بحد ذاته، أحد أهم أسباب استمرار القطاع الصحي في التعافي رغم كل ما يعانيه من نقص.
من الجوانب التي تستحق الإشادة أيضًا في تجربة الوزير اهتمامه بما يسمى “قدرة المستشفيات على الصمود”. فقد أدرك أن بناء مستشفى جديد في ظروف الحرب ليس واقعيًا، وأن الحل الفعلي هو تقوية ما تبقى لتستمر الحياة. لذلك دُعمت المرافق بأنظمة طاقة بديلة، خصوصًا الطاقة الشمسية التي تستطيع توفير قدر من الاستدامة. كما أُنشئت وحدات أكسجين صغيرة، تسمح للمستشفيات بالعمل حتى إن انقطعت خطوط الإمداد المركزية. وتم إصلاح أجهزة حيوية كانت مهددة بالتلف الكامل، لأن تكلفة الإصلاح مهما كانت، تبقى أقل بكثير من تكلفة التوقف عن تقديم الخدمة.
هذه الخطوات الصغيرة، التي قد لا تثير ضجيجًا إعلاميًا، هي التي تصنع الفرق في الأزمات. فمن داخل غرفة عمليات تعمل بنصف طاقتها، يمكن إنقاذ حياة جندي أو طفل أو أم، وهذا وحده يساوي أضعاف ما تنفقه الدولة على أي منشأة جديدة.
عندما نتحدث عن الوزير هيثم محمد إبراهيم فإننا لا نتحدث عن بطل خارق، ولا نصنع صورة أكبر من الواقع، بل نصف دورًا حقيقيًا في لحظة واقعية. مسؤول يقف في الميدان، يواجه التحديات بصبر، يعمل بضمير، ويعتبر الصحة حقًا إنسانيًا قبل أن تكون ملفًا وزاريًا. في زمنٍ تتراجع فيه الثقة بالمسؤولين، يصبح وجود شخص بهذه الصفات أمرًا نادرًا، بل ثمينًا.
وقد عبّر أحد العاملين في أحد المستشفيات الحكومية عن هذا المعنى حين قال: “لم نكن نريد من الوزير معجزات… كنا فقط نريد أن نشعر أن أحدًا يقف معنا. ووجدناه يقف.”
هذه الشهادة تختصر الكثير من المعاني، لأنها تعبّر عن جوهر القيادة الصحية: أن تكون قريبًا من أولئك الذين يقفون في الصف الأول في مواجهة المرض.
إن القطاع الصحي في السودان ما زال بعيدًا عن التعافي الكامل، وهذا أمر لا ينكره أحد. لكن الأكيد أن ما يحدث اليوم هو بداية طريق طويل، يبدأ بخطوات صغيرة لكنها ثابتة. وجود قيادة واعية ونزيهة في وزارة الصحة يمنح هذا الطريق فرصة حقيقية لأن يصل إلى نهايته. فتعافي المستشفيات يبدأ قبل أن تُعاد الجدران إلى مكانها؛ يبدأ حين يشعر العامل والطبيب والمريض بأن هناك من يعمل من أجلهم بصدق.
إن ما يميز هذه المرحلة هو أنها لا تقوم على الدعاية، ولا على الوعود، بل على العمل الفعلي. ومن هنا جاء الاهتمام العام بتجربة الوزير، لأنها تجربة مبنية على الإخلاص قبل الإنجاز، وعلى الأمانة قبل القرارات، وعلى احترام عقل المواطن قبل مخاطبة عاطفته.
وفي بلد عانى من الخراب طويلًا، تصبح الصحة بوابة رئيسية لعودة الأمل. فالإنسان حين يجد مكانًا آمنًا ليتداوى فيه، يشعر بأن الدولة لم تغب بعد، وأن الحكومة ما زالت قادرة على حماية حياة مواطنيها رغم كل الظروف.
هذا الأمل هو ما عاد يتشكل تدريجيًا، وهو ما يعيد رسم صورة السودان الذي يعرف كيف ينهض من بين الركام. والنهضة دائمًا تبدأ من الصحة، لأنها تحمي الإنسان، والإنسان هو أساس كل بناء.
إن الحديث عن جهود وزير الصحة ليس مجرد ثناء، ولا محاولة لتجميل صورة، بل هو إقرار بحقيقة بسيطة: حين يكون المسؤول صادقًا، نزيهًا، حاضرًا في الميدان، فإن المؤسسات تتعافى، والمجتمع يتعافى، والوطن يتعافى.
وهي الحقيقة التي يجب أن تكون أساس كل منصب عام. وربما تكون أيضًا الدرس الأهم الذي سيبقى من هذه المرحلة.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى