
المقدمة: حين يغيب الضمير عن الحكم
الحكم مسؤولية عظيمة لا يتحملها إلا من جمع بين الحكمة والرحمة. فالوالي ليس مجرد موظف يدير شؤون ولاية، بل هو أبٌ وقائدٌ وراعٍ لملايين البشر الذين ينتظرون منه الحماية والرعاية وتحقيق العدالة. إن العدالة والرحمة هما جناحا الحكم الرشيد؛ فإذا فقد الحاكم أحدهما، وقع الظلم، واستشرى الفساد، وضاع الناس بين أنياب البؤس والإهمال.
في ولاية القضارف، تعيش الجماهير منذ فترة طويلة تحت وطأة معاناة غير مسبوقة بسبب الأداء الكارثي للوالي الحالي. إن المواطن في القضارف لم يعد يشعر أن هناك من يهتم لآلامه أو يستمع لشكواه، وكأنما كُتب عليه أن يعيش معاناة مستمرة في ظل والٍ منزوع الرحمة. لم يكتفِ بالفشل الإداري، بل أظهر قسوة قلب تجاه أبسط حقوق الإنسان، مما يجعل مطلب إقالته فوراً مطلباً عادلاً وإنقاذياً.
واقع مأساوي: الخدمات تنهار والمواطن يعاني
منذ تسلمه إدارة الولاية، بدأت المؤشرات تنحدر نحو الأسوأ في جميع القطاعات. المياه الصالحة للشرب، وهي من أبسط حقوق الإنسان، أصبحت حلمًا بعيد المنال، حيث تشهد القضارف انقطاعات متكررة ومزمنة دون أي تحرك حقيقي لمعالجة الأسباب الجذرية للمشكلة. الكهرباء كذلك تعاني من أعطال متواصلة، فيما الحكومة المحلية تكتفي بالتصريحات الإنشائية الخالية من الأفعال.
في مجال الصحة، يعيش المواطن معاناة يومية، حيث المستشفيات تفتقر إلى أبسط المستلزمات الطبية، والأطباء يعملون في ظروف قاسية بدون دعم، مما أدى إلى ارتفاع حالات الوفيات الناتجة عن الإهمال الطبي. أما التعليم، فقد تدهور إلى مستويات خطيرة، مع غياب الصيانة للمدارس، ونقص في الكادر التدريسي، وغياب أي خطط تطويرية.
يضاف إلى ذلك تدهور الأمن الغذائي، حيث باتت أسعار السلع الأساسية تفوق قدرة غالبية السكان، وسط غياب تام لأي مبادرات حكومية لدعم الأسر الفقيرة أو ضبط الأسواق. كل ذلك يحدث وسط تجاهل كامل من الوالي، الذي يبدو وكأنه يعيش في عالم آخر، بعيدًا عن نبض الشارع وآهات الناس.
شواهد على القسوة: قرارات فظة وممارسات صادمة
لم يكتفِ الوالي بالفشل الإداري، بل سلك طريق القسوة في التعامل مع قضايا المواطنين. فقد أصدر قرارات بالإخلاء القسري لعدد من الأحياء السكنية الشعبية بحجة التنظيم، دون أن يوفر سكنًا بديلاً لأسر فقيرة لا تملك سوى أكواخها المتهالكة. ورأينا مآسي حقيقية عندما اضطر رجال ونساء وأطفال إلى النوم في العراء دون مأوى، بسبب قرارات صدرت بدم بارد.
كما قامت السلطات المحلية، تحت إشرافه المباشر، بعمليات مصادرة للأراضي الزراعية التي يعتمد عليها آلاف المزارعين البسطاء في مصدر رزقهم، دون تقديم تعويض عادل أو حتى الاهتمام بالنتائج الكارثية لهذه القرارات. لم يسعَ إلى الحوار مع المتضررين، ولم يحاول إيجاد حلول وسطية، بل تعامل مع الشكاوى بغطرسة وصلف يعكسان غياب أي إحساس بالمسؤولية أو الرحمة.
هذه الممارسات القمعية رسخت لدى المواطنين قناعة تامة بأن هذا الوالي لا يصلح لإدارة بشر، وأن استمراره يمثل إهانة لكل قيم العدالة والإنسانية.
غضب شعبي عارم: متى يسمع المسؤولون صوت الشارع؟
اليوم، لا يحتاج المتابع للوضع في القضارف إلى مجهود كبير ليدرك حجم الغضب الشعبي المتنامي. التظاهرات باتت شبه يومية، والبيانات الصادرة عن منظمات المجتمع المدني والناشطين تعبر بوضوح عن حالة الرفض الشامل لهذا الوالي. وسائل التواصل الاجتماعي تعج بمقاطع الفيديو والصور التي توثق معاناة الناس وتفضح تخاذل السلطات.
لقد قال الشعب كلمته بوضوح: “لا نريد هذا الوالي.” فلا شرعية لمن يحكم الناس بلا رحمة، ولا مكان بيننا لمن يرى في نفسه سيداً وشعبه عبيداً. الإقالة لم تعد مطلبًا نخبوياً أو سياسياً، بل صارت قضية كرامة جماعية تدافع عنها كل فئات المجتمع بلا استثناء.
ومع ذلك، لا تزال الجهات العليا في حالة صمت مريب، وكأنها لا ترى ما يجري أو لا تسمع صرخات الناس. إلى متى تستمر هذه اللامبالاة؟ إلى متى يتم تجاهل أنين القضارف وأهلها الطيبين؟
استمراره خطر على مستقبل الولاية
كل يوم يمر وهذا الوالي في منصبه هو يوم إضافي من التدمير الممنهج لمقدرات القضارف. الاستثمار الذي كان يمكن أن ينهض بالمنطقة تراجع بسبب الفساد الإداري وسوء الإدارة. المستثمرون الأجانب والمحليون فقدوا ثقتهم في المناخ الاقتصادي والقانوني، وبدأوا بالبحث عن بيئات أكثر استقرارًا.
في القطاع الزراعي، الذي يمثل العمود الفقري لاقتصاد القضارف، أصبح المزارعون يئنون تحت وطأة الديون وانعدام الدعم الحكومي. مشاكل الري والتسويق، وعدم وجود تسهيلات تمويلية، جعلت الزراعة مغامرة خاسرة بدل أن تكون مصدر رزق كريم.
أما على المستوى الاجتماعي، فقد تزايدت معدلات الجريمة والبطالة، وانتشرت ظواهر خطيرة مثل التسول والانحراف بين الشباب، بسبب غياب البرامج التنموية والسياسات الرشيدة. استمرار هذا الوالي يعني ببساطة استمرار النزيف، وربما الوصول إلى نقطة لا عودة منها.
الخاتمة: الإقالة الفورية واجب وطني
ليس من المقبول بعد اليوم أن يبقى والي القضارف في منصبه، بعد أن أثبت بالدليل القاطع فشله الإداري وتجرده من الرحمة والإنسانية.
إن إقالته ليست فقط استجابة لمطالب شعبية عادلة، بل هي واجب وطني وأخلاقي قبل أن تكون قرارًا سياسيًا.
على السلطات العليا أن تتحمل مسؤولياتها، وأن تعلن عن إقالة هذا الوالي فورًا، تعبيرًا عن احترامها لمعاناة الشعب، وإيمانها بمبادئ الحكم الرشيد.
القضارف تستحق واليًا عادلًا رحيمًا، يضع مصلحة الإنسان قبل كل شيء، ويعمل بجد وإخلاص على إعادة بناء ما تهدم.
فليكن القرار اليوم… قبل أن يصبح غدًا أكثر كلفة وأشد ألمًا.
اللهم قد بلغت اللهم فشهد …



