
مقدمة: صوت الشعب يعلو… والدولة تستجيب
في السنوات الأخيرة، ظل ملف الحج والعمرة في السودان من أكثر الملفات المثيرة للجدل، لما يحمله من حساسية دينية وخدمية في آنٍ واحد. فمن جهة، يتطلع ملايين المسلمين لأداء هذه الفريضة بروحانية وإيمان، ومن جهة أخرى، تصطدم رغباتهم بجدار من البيروقراطية والفساد والمحسوبية. وفي هذا المشهد المعقّد، لم يتردد الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، في اتخاذ خطوات شجاعة لمحاسبة كل من تورط في إساءة استخدام السلطة أو التلاعب بكرامة الحجيج، في رسالة واضحة مفادها أن العدالة فوق الجميع، ولا أحد فوق القانون.
لقد مثلت قرارات البرهان نقطة تحوّل في التعامل مع هذا الملف، إذ لم تكن مجرد رد فعل على مخالفات موسمية، بل تعبيرًا عن توجه إستراتيجي نحو بناء دولة نظيفة وشفافة، تحترم المواطن وتحمي المال العام وتقدّس الخدمة المرتبطة بالشعائر الدينية.
خلفية الأزمة: ملفات متراكمة وشكاوى بلا صدى
تصاعدت خلال السنوات الماضية شكاوى الحجيج السودانيين بشأن ارتفاع تكاليف الحج، ورداءة الخدمات، وسوء المعاملة من بعض المشرفين، إضافة إلى التأخيرات المتكررة، وفقدان الأمتعة، ومشكلات في السكن والتغذية بالمشاعر المقدسة. الأخطر من ذلك أن بعض الجهات الرسمية والخاصة المتورطة كانت تتعامل مع الحج كفرصة ربحية لا كخدمة دينية مقدسة.
من أبرز التجاوزات:
التلاعب في توزيع تأشيرات الحج بطريقة غير عادلة.
تعاقدات مشبوهة مع وكالات سفر وسكن غير مؤهلة.
فرض رسوم إضافية غير قانونية.
ضعف الرقابة على بعثات الإشراف.
استغلال النفوذ لتخصيص فرص الحج لمتنفذين على حساب الفقراء والمستحقين.
كل ذلك كان يحدث وسط غياب صارخ للمحاسبة، ما أدى إلى شعور عام بالإحباط، خاصة في أوساط ذوي الدخل المحدود الذين يدخرون أعوامًا لتحقيق حلم الحج.
دواعي المحاسبة كما طرحها الفريق البرهان: احترام العقيدة وصون المال العام
جاء تحرّك الفريق البرهان انطلاقًا من قناعة راسخة بأهمية قدسية الخدمة الدينية وحقوق المواطن، وقد عبّر في أكثر من مناسبة عن دوافع محاسبته للمسؤولين، وأهمها:
انتهاك حرمة فريضة الحج: اعتبر أن ما جرى يمثل “تعديًا على عبادة عظيمة”، لا يجوز استغلالها لتحقيق مكاسب شخصية.
إهانة كرامة الحاج السوداني: حيث عانى المواطنون من سوء تنظيم وخدمات متردية أثناء تنقلاتهم وإقامتهم في المشاعر.

ارتفاع غير مبرر في التكاليف: شدّد على أن ارتفاع الأسعار كان نتيجة تلاعب غير قانوني في العقود والخدمات.
غياب الرقابة المؤسسية: أعرب عن استيائه من ضعف الرقابة الداخلية في قطاع الحج، وغياب التقييم والشفافية.
شبهات فساد مالي: دعا إلى تتبع مصير الأموال المدفوعة، ومراجعة التحويلات والعقود التي أُبرمت.
انعدام العدالة في التوزيع: رفض منح الفرص بناءً على الولاءات، مشددًا على مبدأ تكافؤ الفرص في أداء الفريضة.
وقال البرهان:
“من يعبث بملف الحج يعبث بعقيدة الناس وكرامتهم وأموالهم، ولا مكان له في مؤسسات الدولة.”
الإجراءات المتخذة: حسم واضح ضد التراخي
استنادًا إلى هذه الدوافع، اتخذ الفريق البرهان سلسلة من القرارات الصارمة، شملت:
إعفاء قيادات قطاع الحج والعمرة، بما في ذلك كبار الموظفين في وزارة الشؤون الدينية.
حل لجان التنظيم السابقة، وإلغاء صلاحيات بعض الجهات المتهمة بالتلاعب.
تشكيل لجنة تحقيق عليا من ممثلين عن وزارة العدل، المخابرات العامة، ديوان المراجعة القومي، وهيئة الرقابة الإدارية.
إحالة ملفات إلى النيابة العامة لفتح بلاغات ضد المتورطين.
تجميد حسابات وإيقاف مسؤولين عن العمل حتى نهاية التحقيقات.

هذه الإجراءات مثلت نقطة تحوّل مهمة ورسالة مفادها أن من يفسد سيُحاسب، مهما علا منصبه أو تعددت علاقاته.
ردود الفعل الشعبية: ارتياح ممزوج بالأمل
قوبلت قرارات الفريق البرهان بترحيب شعبي واسع، لا سيما من المواطنين الذين سبق أن اشتكوا من التمييز وسوء الخدمة. وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي حملات دعم مثل:
#شكراً_البرهان
#الحج_للناس_لا_للوسطاء
#حاسبوا_الفاسدين
وقد جاءت ردود الفعل كما يلي:
علماء الدين: رحّبوا بالإصلاحات واعتبروها تجديدًا لمفهوم الأمانة في إدارة المناسك.
الصحافة: نشرت تحقيقات موسعة كشفت أبعاد الفساد المتراكم، مطالبة باستمرار المحاسبة.
المنظمات المدنية: دعت لإشراك المجتمع في مراقبة ملف الحج وتعزيز الشفافية.
الأسر الفقيرة: عبّرت عن أملها في أن تُراعى العدالة الاجتماعية في توزيع فرص الحج مستقبلًا.
أثر القرار على مؤسسات الدولة: نموذج للجرأة والحسم
قرارات البرهان لم تتوقف عند قطاع الحج، بل أرسلت إشارات قوية لكل المؤسسات بأن عهد الإفلات من العقاب قد ولى. ومن أبرز الآثار:
اهتزاز مراكز القوى غير الرسمية التي كانت تتدخل في قطاعات حيوية.
تزايد الضغوط الشعبية على الوزارات الأخرى لفتح ملفات الفساد.
إعادة الثقة في إمكانية الإصلاح لدى المواطن السوداني.
انبعاث روح جديدة داخل الأجهزة الرقابية لممارسة دورها باستقلالية.
الخطوة التالية: من المحاسبة إلى الإصلاح المؤسسي
رغم أن المحاسبة خطوة أساسية، إلا أن المطلوب حاليًا هو تحقيق إصلاح مؤسسي طويل الأمد، يشمل:
إنشاء هيئة وطنية مستقلة للحج والعمرة تتبع لمجلس سيادي أو تشريعي.
رقمنة جميع مراحل التقديم والتخصيص والسفر لقطع الطريق أمام التلاعب.
اعتماد معايير مهنية لاختيار مشرفي البعثات بناءً على الكفاءة والسيرة الذاتية.
إصدار تقارير سنوية تفصيلية عن تكلفة الحج وعائداته والعقود المبرمة.
فتح المجال أمام المبادرات المجتمعية في تقديم الدعم اللوجستي والخدمي للحجاج.
خاتمة: بداية عهد من الشفافية والنزاهة
إن قرارات الفريق البرهان في ملف الحج والعمرة لم تكن خطوة ظرفية، بل تأسيسًا لمرحلة جديدة من الحوكمة الرشيدة. وقد تكون هذه القرارات حجر الأساس لبناء دولة يُحترم فيها الدين، ويُقدَّر فيها المواطن، وتُصان فيها الأموال العامة.
فإذا نجح هذا التوجه، فقد تمتد خطوات المحاسبة لتشمل التعليم، الصحة، الزكاة، الجمارك، والمالية، مما يمهد لانطلاق نهضة حقيقية عنوانها: لا مكان للفاسدين بعد اليوم
اللهم بلغت فاشهد



