تقارير

المخدرات.. حرب موازية أخطر من الرصاص في السودان

مصدر أمني كشف أن تجارة المخدرات تحولت لنشاط منظم يمول الصراعات

الخرطوم – خالد فتحي
لم تعد نيران الحرب وحدها تحاصر السودان، فبينما تمطر القذائف المدن والقرى، تتسع جبهة أخرى لا تقل خطورة: جبهة المخدرات. من أقصى دارفور غرباً إلى القضارف وكسلا شرقاً.. ومن قلب العاصمة الخرطوم حتى معسكرات النزوح، تمتد خيوط أزمة قاتلة تضرب المجتمع بلا استثناء.
حرب صامتة تتسلل إلى البيوت والمدارس والأسواق، وتفتك بالشباب كما تفتك الجبهات بالمقاتلين. أخطر ما فيها أنها لا تعرف حدوداً، ولا تفرّق بين مدني وعسكري، غني وفقير، طالب أو مقاتل.
IMG 20250921 WA0009
وفي عملية نوعية مؤخراً، داهمت شرطة مكافحة المخدرات منزلاً في القضارف (410 كلم شرق الخرطوم)، لتكتشف المفاجأة الكبرى بين الجدران: مزارع صغيرة للحشيش، وأكياس “الأيس” المخبأة بعناية. خمسة متهمين وقعوا في قبضة الشرطة، إضافة إلى آخر بحوزته أكثر من 700 حبة كبتاغون، في ضربة نوعية لشبكة المخدرات.
لكن الحادثة ليست سوى حلقة في سلسلة مواجهات يومية باتت روتيناً في ولايات السودان. ففي الأشهر الأخيرة، أعلنت الأجهزة الأمنية عن ضبط أطنانا من المواد المخدرة، إلى جانب مصانع سرية تنتج ملايين الحبوب المميتة، كانت على وشك أن تغمر الأسواق بطوفان قاتل من السموم. كل مصنع، وكل كيس مخدر، يكشف شبكة خفية ومعقدة من الجريمة المنظمة، في صراع مستمر بين الأمن والموت يهدد حياة المواطنين ومستقبل الأجيال القادمة.
شبكات أشباح في زمن الفوضى
الحرب التي تعصف بالبلاد منذ ثلاثين شهراً لم تكتفِ بتفكيك المؤسسات، بل فتحت الأبواب على مصاريعها أمام شبكات تهريب إقليمية ودولية. حدود طويلة مع سبع دول، فراغ أمني، سلاح متفلت.. كلها مكونات صنعت بيئة مثالية للجريمة المنظمة.
وكشف مصدر أمني أن تجارة المخدرات لم تعد مجرد “عبور عابر”، بل تحولت إلى نشاط منظم يمول الصراعات. أصناف جديدة مثل “الأيس” و”الكبتاغون” وجدت طريقها إلى الأسواق السودانية، تستهدف الشباب وحتى بعض المقاتلين في الجبهات. الأخطر أن آلاف السجناء، بينهم كبار التجار، فرّوا من السجون مع بداية الحرب، ليعودوا إلى المشهد أكثر جرأة وخطورة.
شباب على الحافة
في مدن النزوح المكتظة، تبدو الصورة أكثر قتامة. الشهادات الحية، والتقارير غير الرسمية، والملاحظات الميدانية تحذر من انزلاق أعدادا متزايدة من المراهقين إلى هاوية الإدمان. تقول ناشطة اجتماعية: “فقدوا التعليم والعمل.. لجأوا إلى المخدرات كمهرب نفسي، لكنها تبتلع حياتهم بلا رحمة.”
وأعلنت وزارة الصحة عن خط ساخن للدعم النفسي والاجتماعي، ووجّه الوزير بإعطاء ملف علاج المدمنين أولوية قصوى، عبر التوسع في مراكز التأهيل وتضمين الدعم النفسي ضمن الرعاية الصحية الأساسية.
ولا يقتصر الخطر على تدمير النسيج الاجتماعي فحسب، بل يمتد ليشمل تمويل النزاعات المسلحة وتعميق أزمات الأمن الداخلي، في معادلة مميتة تهدد استقرار البلاد.
المال الأسود يغذي الحرب
الذهب والسلاح والمخدرات… ثلاثية الاقتصاد الموازي. انهيار الإيرادات دفع الفصائل المسلحة إلى البحث عن مصادر بديلة، فوجدت في تجارة السموم مورداً مربحاً. تؤكد مصادر موثوقة أن أرباح هذه التجارة تتسرب مباشرة إلى جيوب قادة الحرب.

IMG 20250921 WA0008

قبل الحرب.. المسيّرات العيون الطائرة
المقدّم منذر مختار، الضابط السابق بمكافحة المخدرات، يروي كيف غيّرت الطائرات المسيّرة ميدان المعركة قبل الحرب: “كانت عيني لا تنام، ترصد المزارع في دارفور والنيل الأزرق والقضارف، وغيرها، لتكشف المهربين بدقة متناهية، الأمر الذي أعاد ميزان القوى لصالح قوات المكافحة.”
“يمارسون النهب الممنهج”.. اتهام أممي لحكام جنوب السودان
العرب والعالم
“يمارسون النهب الممنهج”.. اتهام أممي لحكام جنوب السودان
لكن مع اندلاع النزاع تغيّر كل شيء، الفوضى فتحت ثغرات، وظهرت مزارع جديدة على أطراف المدن تحت وطأة الفوضى. ويضيف مختار: “انتشار السلاح منح العصابات جرأة غير مسبوقة، فيما شكّل فرار أصحاب السوابق مع بداية الحرب غطاء خطيراً، إذ التحق بعضهم بصفوف المحاربين، وعادوا لممارسة تجارتهم بجرأة مضاعفة، محتمين بشرعية السلاح”.
مواجهة مكشوفة
ويضيف مختار: “لم يعد الصراع محصوراً في الطرقات أو المزارع النائية. مؤخراً، اقتحمت مجموعات مسلحة أقسام شرطة في القضارف وكسلا والشمالية لإطلاق سراح متهمين بتجارة المخدرات. المعركة انتقلت من الظل إلى قلب المؤسسات الأمنية نفسها.”
بؤرة معزولة.. حتى كولومبيا
ويتابع: “خلال الثلاثين شهراً الماضية، انقطعت البيانات كلياً عن جهود المكافحة في ولايات دارفور وغرب كردفان بفعل الظروف الأمنية المعقدة، ما جعل تلك المناطق خارج نطاق السيطرة… الأخطر أن محمية الردوم بجنوب دارفور، التي تُعرف بـ”كولومبيا السودان”، باعتبارها واحدة من أخطر بؤر نشاط عصابات المخدرات في البلاد، تحولت إلى نقطة مُعتمة.”
وتقع الردوم أو كولومبيا السودانية في أقصى جنوب غرب دارفور على بعد 1120 كلم من الخرطوم، وتحدها جنوب السودان من الجنوب، وأفريقيا الوسطى من الجنوب الغربي، ويربطها بالدولتين الجارتين معبران حدوديان.
مخطط دولي يطل من الظلال
يحذر رئيس جمعية “صحفيون ضد الجريمة” د. طارق عبد الله من أن السودان بات هدفاً لعصابات دولية، بحكم موقعه الرابط بين أفريقيا والشرق الأوسط. مصانع محلية لتصنيع المخدرات كُشفت في الخرطوم وشرق النيل، يعمل فيها أجانب من دول عربية.
ويشير إلى أن حالة الفوضى الراهنة وفرت بيئة خصبة لتجار المخدرات، حيث فُتحت أسواق للاستهلاك المحلي عبر الجماعات المسلحة المشاركة في الحرب. فقد استخدم بعض المقاتلين تلك المواد لرفع النشاط البدني وتبديد المخاوف. وفي أوقات سابقة، تحولت بعض المناطق الخاضعة للدعم السريع إلى أسواق مفتوحة تُباع فيها المخدرات علناً وبأسعار زهيدة، ما دفع الكثير من الشباب إلى الإدمان.
ويؤكد عبد الله أن خطورة الأزمة تكمن في أن المخدرات أصبحت مصدراً لتمويل بعض الجماعات المسلحة، ما ضاعف إنتاجها ووسّع نطاق تهريبها.
احذروا.. إنذار أخير
ويقول عبد الله: “النظر إلى قضية المخدرات على أنها مجرد ظاهرة سلبية خطأ جسيم، فهي حرب تستهدف الجميع، وتمضي بإيقاع متسارع قد يخرج عن سيطرة الدول. السودان تحديداً فقد خبرات وكفاءات أمنية مهمة في مجال مكافحة المخدرات، إما بالتقاعد أو بالإحالة للصالح العام.”
حرب بلا جبهة واحدة
اليوم يقاتل السودان على جبهتين: حرب علنية بالدبابات والمدافع، وأخرى صامتة بالسموم البيضاء والخضراء. الأولى تقتل بسرعة، أما الثانية فتنخر في العقول ببطء.
ويختصر أحد المواطنين المأساة قائلًا “ربما تنتهي الحرب السياسية بتسوية، لكن حرب المخدرات قد تستمر لعقود، لأنها تضرب الداخل وتفتك بالنسيج الاجتماعي.”

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى