
قبل حين من الزمان شعرت بوهن شديد، وآلام فيما تبقى عندي من عضلات، ولأنني – شأن معظم الرجال – اختصاصي في معظم الأمراض، فقد شخّصت حالتي: هذه أعراض الملاريا المقيمة في جسمي، وربما بداية نزلة برد او انفلونزا بعير. ثم بدأ جسمي يرتعش بقوة 5 درجات على مقياس ريختر، وأسناني تصطك حتى حسبت ان عشرة أطباء أسنان يقومون بالتعدين العشوائي في فمي، ثم بدأت نوبة اسهال وقيء، وبدأت حرارة جسمي في الارتفاع. (عندي في البيت ثيرمومتر لقياس درجة الحرارة، وجهاز لقياس الضغط وآخر للسكر وعندي في الصيدلية المنزلية جميع أنواع مسكنات الألم)، ورفضت الذهاب الى المستشفى: أنا جعفر عباس ال “في القهوة ما جلاس وفي الكورة ما شاف كاس”، أذهب الى الطبيب لأقول له انني اعاني من نوبة برد وفتور؟ عيب. فقط ساعدوني بتمسيد (تدليك) رجليَّ وظهري لأنني أحس بها بآلام شديدة.
ثم أحسست بأن “قونة” تسللت الى بطني، وبدأت في قرع الطبول، فانفتحت صنابير القيء والنزلة المعوية، وظللت على هذا الحال لنحو ثلاث ساعات، وبرغم كل ذلك كنت في داخلي أشعر براحة عميقة: ها هم زوجتي وعيالي يحيطون بي ويدلكون جسمي ويتحسسون جبهتي ويضعون عليها الكمادات الباردة. في الظروف العادية يعيش كل واحد من عيالي في عالم خاص، ولكنهم في ذلك اليوم، وفي ساعة “العوزة” كانوا حولي. اللهم أدمها نعمة. أدركت في تلك اللحظة أنهم أغلى من كل كنوز الدنيا وملذاتها.
كانوا يعرفون أنني لا “أعترف” بالمرض بسهولة، ويدركون انني “مستهبل” أعاني من آلام وأحاول الظهور بمظهر المعافى. وأتوا لي بطبيب من أقربائي قال ان الأمر ناجم عن فيروس معوي، وعليَّ الإكثار من السوائل. وظل أفراد العائلة ساهرين حولي حتى خفت أعراض المرض عندي في نحو الثانية صباحا. ثم رقدوا جميعا على مراتب على الأرض وضعوها حول سريري، وفي نحو الرابعة فجرا انتبهت الى أن هناك مرتبة خاوية فنزلت من سريري بهدوء باحثا عن صاحب المرتبة الخالية، ووجدت ابنتي تتقيأ بعنف في أحد الحمامات البعيدة عن مكان نومنا، ومع هذا بادرت هي بالصياح: بابا انت عيان روح ارقد. أخفت مرضها عنا كي لا ينشغل الآخرون عني. يا حبيبتي. أتيتها ب”بريمبران” لإيقاف القيء، وجلست معها في الصالة حتى انجلى غمام القيء عنها
في مثل هذه الأحوال اشتاق الى أيام النوم في الحوش. خمس او سبعة او تسعة أشخاص موزعون في أرجاء الحوش، صاحب الشخير العالي سريره بعيد عن الآخرين، والكسول سريره في موقع لا تأتيه شمس الصباح الباكر، وإذا قال أحدهم: آآخ، هب الجميع: خير، مالك؟ والصغير الذي يخاف من الشياطين والبعاتي وود أم بعُلو، تأتيه لحظة صحو ويرفع رأسه ويرى الكبار من حوله فيطمئن ويعاود النوم. أذكر أنني كنت صبيا في سابع نومة في حوش بيتنا الحدادي مدادي في بدين عندما سمعت صرخة وفتحت عيني ورأيت كائنا مخيفا ينظر إلي، فصرخت بدوري صرخة، جعلت أمي تصرخ بدورها جزعة. باختصار كان ذلك الكائن معزة، واتضح ان امي استضافتها في ركن قصي في الحوش لأنها كانت “حامل” في شهرها التاسع (!!!)، ويبدو ان الطلق داهمها فقطعت الحبل واختارت ان تستنجد بي، ربما لأنني كنت أتولى رعي غنم البيت. وحصل خير: ساعدت أمي على توليدها وسامحتها على خلخلة أعصابي.



