
يبدو أن تصريح دونالد ترامب الأخير عن السودان أثار دهشة كثيرين، وكأنه يتحدث عن بلد مجهول بالنسبة له، رغم أن الخرائط السياسية والاقتصادية والعسكرية للعالم تُظهر أن السودان ليس هامشاً في معادلات الدول الكبرى. كيف يتحدث الرجل وكأنه لم يسمع بالسودان من قبل، وهو يعلم – قبل غيره – حجم الثروات التي تزخر بها البلاد؟ يعرف عدد الدواب دعك من الناس، ويعرف أن هذه الأرض ليست مجرد مساحة في إفريقيا، بل بوابة لممرات التجارة، وعمق إستراتيجي، وكنزٌ من الموارد.
السودان ليس رقعة صامتة على الأطلس، بل بلد الحضارات الأولى، بلد الممالك القديمة، موطن النوبيين، الأرض التي بدأت منها فصول تاريخ طويل، والتي مهما حاول البعض تبسيط صورتها، تبقى راسخة في الجغرافيا والذاكرة معاً. السودان ليس بلداً حديث الولادة، بل هو أصل الحكاية، وبداية الإنسانية، وموطن الحضارة التي صاغت مسيرة التاريخ.
اليوم يتحدث ترامب، ويتحدث غيره، عن “السلام” و”إيقاف الحرب”، وكأن السلام مجرد عبارة دبلوماسية تُقال، أو صفقة تُبرم على طاولة مغلقة. لكن أين كانت أصواتهم حين قُتل الأبرياء؟ أين كانت دعواتهم حين شُردت الأسر من ديارها، وحُرقت البيوت، ونُهبت المدن؟ كيف يمكن للعالم أن يطالب السودانيين بأن يضعوا أيديهم في أيدي من ارتكب الجرائم بحقهم؟
المشهد الدولي واضح: الجميع يسعى خلف مصالحه. لا الرباعية ولا الخماسية ولا القوى الكبرى تريد الخير لوجه الله. كل طرف يضع الملف السوداني في مكان يناسب مصالحه الاقتصادية أو الأمنية أو الإقليمية. أما معاناة الناس فلا تتصدر أجندة أحد.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم:
ما هي الشروط التي حددتها الحكومة السودانية لقبول هذا الطلب الدولي؟
هل هناك ضمانات حقيقية؟
هل هناك اعتراف بالجرائم؟ محاسبة؟ ترتيبات أمنية؟ أم أن المطلوب هو مجرد صورة “سلام” تخدم الآخرين أكثر مما تخدم أهل البلاد؟
السودان اليوم ليس بحاجة إلى ضغوط جديدة أو وصاية جديدة، بل بحاجة إلى سلام حقيقي، سلام لا يُفرض من الخارج، ولا يُفاوض عليه تجار السياسة، بل يولد من إرادة السودانيين أنفسهم، من رؤية تُعيد للبلاد مكانتها وتاريخها وكرامة شعبها.
الذين يتحدثون عن السودان اليوم عليهم أن يعرفوا شيئاً واحداً:
هذه أرض ليست للبيع، ولا للابتزاز، ولا للتلاعب بمصيرها.
هي أرض بدأت منها الحضارة، وستظل ثابتة مهما تغيرت مواقف الساسة أو تعاقبت الضغوط الدولية.



