الرأي والتحليل

عثمان فضل الله يكتب: رحلة مناوي إلى الخارج تثير عاصفة من التساؤلات

أثارت رحلة حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، الأخيرة إلى الخارج عاصفة من التأويلات. بين من يرى أنها خروج بلا عودة، ومن يعتقد أنها مناورة ضمن تفاهمات مكتومة مع قيادة الدولة في بورتسودان، بقي السؤال المركزي معلقاً: هل لا يزال لمناوي موطئ قدم ثابت في المعادلة السودانية المتحركة، أم أن الأرض تميد من تحته؟
السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تبدو بورتسودان، حيث يتموضع الرجل سياسياً، موقعًا مريحًا له في هذه المرحلة؟ الواقع أن الإجابة على هذا السؤال أقرب إلى النفي منها إلى الإيجاب. فبورتسودان اليوم ليست أكثر من رمال متحركة، لا يطمئن فيها مسؤول إلى موقعه ولا يتكئ أحد على وضوح في القرار أو مرجعية للحكم.
حتى القائد العام للجيش – رأس الدولة فعليًا – يبدو وكأنه ينام بعين واحدة ويده الأخرى على “الطبنجة تحت الوسادة”، فمصنع القرار ضبابي، شديد التقلب، تتنازعه شبكات مصالح أمنية واقتصادية وسياسية، تفرز كل يوم ما يكفي من التخبط لإثارة الشك في مستقبل أي فاعل سياسي هناك.
انظر مثلاً إلى ما جرى في ملف “إعادة إعمار الخرطوم”: شكل البرهان لجنة عليا لهذا الغرض برئاسة إبراهيم جابر، فما كان من إبراهيم جابر إلا أن أصدر أول قراراته بإيقاف إعادة تأهيل المباني الحكومية! هكذا، دون مبررات مقنعة، بما يعكس تناقضًا حادًا في الإرادة السياسية، أو بالأحرى غيابًا كاملاً لها.
لكن منى أركو مناوي لا يواجه المجهول في بورتسودان وحدها، بل في داخل بيته السياسي أيضًا. حركة تحرير السودان التي يقودها ليست على قلب رجل واحد، وهناك حبال تلتف حول عنقه بصمت، لا سيما بعد افتضاح صفقة العربات المتهالكة التي تورط فيها مقربون منه.
الهمسات تتزايد حول “مؤامرة ناعمة” يجري إعدادها ضده. وعينه لا بد أن ترصد تصاعد التيارات الداعية والساعية إلى الانفصال، والتي تستخدم خطاب حاد تجاه الحركات لدفعها جميعا الى الانسحاب من كل العملية السياسية في بورتسودان، بل من وحدة السودان نفسها.
كل هذه العوامل تجعل من بورتسودان موقعاً غير مريح، بل وخطراً على مناوي. لكن أي انسحاب من المشهد ليس بلا كلفة. فالرجل وإن واجه عزلة سياسية داخلية، إلا أنه بنى لنفسه نفوذاً اقتصادياً وعسكرياً يندر تجاوزه والتضحية به.
ففي ولايات مثل الشمالية ودارفور، يمتلك مناوي ثلاثة مناجم ذهب موثقة، وسيطر مؤخرًا على منجم كان يُدار بشراكة بين قوات الدعم السريع وشركة روسية، ليصبح هو المتحكم في حصته التي كان يفترض أن تؤول لحكومة السودان

بالإضافة الى ذلك وتحت غطاء الشراكة في تحالف الكرامة تجوب شبكة عرباته البلاد ناقلة الذهب إلى جنوب السودان وليبيا وغيرها، دونما تخضع لاي مسائلة وهو بذلك بات يتصدر “اقتصاد الظل” الذي يشكل عصب بقاء قوى عديدة في هذه الحرب

بعيدًا عن الاقتصاد، فإن مناوي لا يزال قائدًا لفصيل عسكري نشط، ساعد الجيش في فترات الانهيار بعد سقوط الجزيرة وتداعي سنار، وأسهم في صدّ الحصار عن بعض محليات النيل الأبيض. ورغم التراجع السياسي، فإن له مجدًا عسكريًا لا يُستهان به
هذا الموقع يجعله “رقمًا في المعادلة، كبر او صغر” لكنه موجود فهو ليس مجرد مسؤول بل فاعل يمتلك القوة الصلبة والمرونة في التنقل بين تحالفات الداخل والخارج
ولكن، إذا وُضعت نفسك مكان مناوي، فإن السؤال الجوهري يصبح: ماذا ستكسب إن خرجت؟ وماذا ستخسر؟
الخروج من بورتسودان، خاصة إذا تم بالتحالف كما تقول بعض التقارير – مع الدعم السريع أو قوى معادية لبورتسودان – سيفقده بلاشك الكثير من تلك الميزات لكنه سيمنحه متنفسًا في المدى القريب، وربما يعود بطلا في نظر قطاعات ليست بالقليلة من اهل دارفور لكنه ايضا سيلوث مستقبله السياسي لعقود عند آخرين. أما البقاء، فهو استمرار في معركة الاستنزاف، مع فرصة نادرة لإعادة ترتيب الأوراق ومعركة طويلة مع ” خفافيش الظلام” التي تجوث في ليل المدنية الساحلية الخانق.
منى أركو مناوي، الذي كان ذات يوم أحد رموز الحلم الدارفوري بعدالة تقود إلى الخرطوم، يقف الآن بين نارين: بورتسودان التي تتآكل من الداخل، ودارفور التي تندفع غربًا نحو مشروع قد لا يستطيع هو نفسه السيطرة عليه
المعضلة الحقيقية ليست في المكان الذي يقف فيه الآن، بل في السؤال الذي لا بد أن يطرحه على نفسه قبل كل قرار
هل يريد أن يبقى لاعبًا في سودان موحد ويقاتل من اجل مصالحه العامة والخاصة؟ أم زعيمًا في دارفور منفصلة، غير معلومة المصير والمستقبل.
في زمن الحرب، حتى الأسئلة لا تأتي دون كلفة.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى