
في زحمة المشهد الرياضي السوداني، يقف المرء أحيانا مذهولا، حائرا، متسائلا: كيف اجتمعت في ساحتنا هذه التناقضات الصارخة؟ كيف تلاقت قامات سامقة، تؤمن بالصدق والشفافية والوطنية، مع آخرين غلاظ الطباع، لا يعرفون من الرياضة سوى أسمائها؟
لقد اعتبرت نفسي دوما أحد أبناء هذه الحركة النبيلة، التي تربطني بها علاقات صداقة وأخوّة ومودة مع نخبة من الرياضيين الحقيقيين، الذين أفخر بمعرفتهم ومرافقتهم. أشخاص جادون، صادقون، رؤيتهم تنبض بحب السودان، ويسعون بكل تجرد لإعلاء شأن الرياضة فيه. فيهم من صفات الأنبياء ما يُلهم، ومن أخلاق أهل الكتاب ما يُحتذى به، ومن النهج القرآني ما يُنير طريقهم. تجدهم لطفاء، مهذبين، منظمين، أوفياء، يحترمون من حولهم ويعملون بروح الفريق، ويتحدثون بلغة الاحترام.
لكن، وعلى الجانب الآخر، نُصدم بواقع مرير. نُصادف شخصيات لا علاقة لها بروح الرياضة، بل يمارسونها كأنها ساحة حرب أو غابة، يتفاخرون بالقسوة والجهل والسطحية. تجدهم جافّين، غلاظا، يتحدثون بعنف، ويتعاملون بتعالٍ، ويزرعون في من حولهم النفور والكراهية. يذكروننا برموز الجاهلية في عنفهم، وكأنهم نُسخة معاصرة من هُبل واللات والعُزّى. يفتقرون إلى أبسط مفاهيم العمل الجماعي والسلوك القويم، لا يعرفون عن الميثاق الرياضي شيئا، ويرددون كلمات كبيرة دون وعي أو تطبيق.
وللأسف، هؤلاء أصبحوا يشوهون صورة الرياضة، وينفرون الشباب من ميادينها. مواقفهم مؤذية، وسلوكياتهم منفرة، حتى كره البعض الاقتراب من المنظومة الرياضية. والأدهى من ذلك أنهم يظنون أنفسهم قادة، بينما حقيقتهم لا تتجاوز صورة نعامات ترفع صوتها وهي ترتعد من الداخل، أو عقارب تلدغ وتختبئ خلف شعارات زائفة.
لقد صرنا بحاجة ماسة إلى إعادة تعريف دور الحركة الرياضية، لا كمجرد منصات للتنافس، بل كمدارس لتعليم الأخلاق، واحترام الذات والآخر، ونشر القيم الإنسانية الرفيعة. الرياضة يجب أن تكون بيئة تُخرج منها الرحمة، والرقة، والتواضع، لا القسوة والغلظة.
ورغم كل ما سبق، لا يزال الأمل فينا كبيرا. نحن أبناء السودان، بلد الطيبة والنبل، والصفات السمحة. لن نيأس، وسنواصل النضال من أجل تطهير حركتنا الرياضية من الشوائب، حتى تعود الرياضة رسالة سامية، ومصدر إلهام، وتعبيرا حيا عن إنسانيتنا.
ولنا عودة…



