الرأي والتحليل

محمد طلب يكتب: البطاطس والآبري( 5)

الداشا والحواشة
سلسة المقالات السابقة و ما احتوت من محاولات بحث عن علاقات بين البطاطس و(الآبري) وخامه الذرة الرفيعة والعلاقة بين سنابل (قنقر) تعانق شمس الاستواء ونبات البطاطس ثماره (جذور) تحتضنها ارض تتجمد بعد الحصاد وتعقم نالت المقالات إعجاب الصديق الباشمهندس الصادق التوم عند اطلاعه عليها فتواصل معي مبدياً اهتمامه بالمقالات فطلبت منه اخبار زوجه السيدة (اولغا) بأني اريد مساعدتها في مواصلة مقالاتي حول أمر البطاطس (عندهم) طالما انها من عشاق الآبري (حقنا) وتعوس العصيدة في رمضان وتعلم تفاصيل تفاصيل حياة السودانيات و قطعاً (الافادات الحية) وقعها سيكون اطيب عند القارئ فكان رده سريعاً (بنغمة سودانية) خالصة ( اولغا شنو!!! انا بحدسك يازول انا ما عشت هناك و زرعت البطاطس دي وحصدتها)…..
ثم اردف انا سوف أفيدك في امر البطاطس انت ناسي إني اوكراني بالمصاهرة وضحكنا سوياً فهو يعلم مسبقاً رأيي في (لتعارفوا) وكنت قد كتبت من قبل عن اسرته الصغيرة والتي بفضل (تعارفه) مع (اولغا) وتزاوجهما إرتفع عدد المسلمين (بقرادتشي) الجميلة من الصفر حتي اكمل الارقام الصحيحة (تقول لي مجاهدين!! ) إنه فعل المحبة والسلام و الجهاد الحقيقي الاكبر والفاعل في التغيير وخلق اجيال جديدة مدركة اكثر من سابقيها ….
فحدثني الرجل السوداني الاوكراني بحب عميق عن البطاطس وشكل حياتهم هناك مما جعلني اخرج بعنوان (الداشا والحواشة) وعلاقة اخري جديدة بين الذرة والبطاطس و(عناوين اخري قادمة) و علاقات اخري و(سُلطة تخلق الثروة) و تحفز مواطنيها لصناعة ثورة تجعل الثروة توزع نفسها بقدر الانتاج الإرتباط بالارض والعلم والعمل بدلاً ان تكون الثروة الموجودة دون فعل وانتاج بشري موضع صراع بشري وحروب للوصول بالثروة الي السلطة
فعنواني مكون من كلمتين الاولي( داشا ) و الثانية (حواشة) واحدة (حقتهم) والتانية (حقتنا) وكلاهما تحمل دلالات العمل والانتاج والإعمار و (الداشا) كما (الحواشة) فهي قطعة ارض زراعية مع اختلاف النظام هناك عن هنا في التمليك والمساحة والقدرات و الموارد البشرية و غيرها وقبل الحرب هنا (حواشاتنا) اصابها ما اصابها من فساد وخراب والحرب (تمت الباقي) وتم تصنيفنا رسمياً من (الجوعي)… و رغم الحرب هناك ما زالت (الداشات) تأتي أُكُلها و لم تظلم منه شئياً فللحرب ادبيات واخلاق تعرفها الانسانية هناك اما هنا فلا توجد انسانية ويكفي ما رايناه من (هتك ومتك وبل بس وسلب ونهب واغتصاب وخراب في حرب عبثية)
استرسل صديقنا المهندس الصادق التوم فحدثني بحب عن جامعتهم (كريفوي روق) الوطنية قائلاً هي من اقدم جامعات العلوم الارضية بالعالم لذلك المدينة التي يعيشون فيها إهتمامها بالجيلوجيا و علوم الارض ظاهراً و باطناً وخفايا المناجم المقفولة و المفتوحة وآليات وتقنيات حديثة و هندسات وعلوم و تبادل الخبرات مع المانيا فهناك بروفسيرات كبار من البلدين ..والمدينة بنايات ومجمعات سكنية راقية والسكن بالشقق يختلف عن السكن بالارياف البرحة … لكن الدولة هناك توفر لكل فرد قطعة ارض لزراعتها بنظام معين وفي اغلب الاحيان تكون نصف فدان او يقل وقد يزيد كحد اقصي فدان يسمونها (داشا) …هنا تذكرت مشروع الجزيرة ومساحة الحواشة فيه خمسة فدان في دورة الزراعة الرباعية اي ان المزرعة عشرين فدان و التي تحولت فيما بعد الي اربعة فدان عند اعتماد الدورة الخماسية (شوف المهلة دي) … و قلة الموارد البشرية لهذه المساحة خلقت لاحقاً بقلة الوعي و إهدار النظام (مشكلة الكنابي) التي كان من الممكن تفاديها باكراً بعدة طرق اما الحواكير والجبراكة فالامر خطير في رُباكٓ…… اها يالصادق يا اخوي … ما علينا …واصل..
كل فرد هناك بغض النظر عن وظيفته او موقعه في السلم الوظيفي مدير المنجم او عامل فيه او البروفسير مدير الجامعة لديه (داشا) مثله مثل غيره من المواطنين يقوم بتعميرها حيث يحفها باشجار التفاح والكرز و المشمش و تعاريش العنب وفواكه المتوسط تقضي الاسر عطلة نهاية الاسبوع (بالداشا) تبني تعمر وتتحمل مسئولياتها تعمل علي تعمير المزرعة ….(ونهاية الاسبوع هنا نقضيها حوامة و لقيط بكيات و اعراس وسمايات وختان جماعي والحواشة خمسة فدان والجوع الكافر ينهش اعماق الانسان )
اما الجميع هناك فيعملون في (داشاتهم) بالاجازة الصيفية و يزرعون السعادة ويجنون ثمارها بالعمل … المدير والغفير الكبير والصغير الذكور والاناث كل له مهمة و الجميع يزرعون الحقل بالبطاطس لانها المحصول الاساسي وهي ( العيش) ويزرعون معها الخضروات الاخري التي تكفي الاسرة لمدة عام كامل
وهذه المزارع تكون خارج المدينة وعلي اطرافها.. ..
عندنا هنا في اطراف القري يسمونها (البلدات) يزرعون فيها الذرة (العيش ) وعندما تزحف عليها المدينة في هذا البلد الشاسع تظهر الانانية وحب الذات والحكومات تساعد (بتغيير الغرض) من زراعي الي سكني و عشرات الافدنة يقولون كانت (ترس فلان) و(بلدات فلتكان) و حق المنطقة او القبيلة كان يزرعها جدنا المشلخ…ثم المحاكم… و القضايا.. و الشهود و الكذب و التسجيل … و لو كان فلان المشلخ يزرع ربع فدان لما وصل بنا الحال الي ما نحن عليه الان حتي يتم تمليكه عشرات الافدنة التي لا يستطيع ان يقطعها ماشياً ناهيك ان يزرعها و يعمرها .. و صارت الاسر عند زحف العمران و (تغيير الغرض) تعيش عمراً بلا عمل تعتمد علي بيع الاراضي باسعار خيالية وتورثه الاجيال و تتكسب من ذلك صفوف السماسرة.. و العطالي… و الكسالي … والمحامون الموثقون وموظفو الاراضي والدولة التافهون إلا من رحم ربي اما (مطري الحلفايا) و الكثير من الخفايا و (بلدات العيلفون) وبعض الشئون فتلك قصة اخري
اما هناك فكل اسرة بالمدينة لديها مخزن تحت الارض لمحصول (الداشا) لانه طالما هناك ارض ممنوحة لابد انتاج وبالتالي مخازن صممت بدراية لتخزين انتاج (الداشا ) المؤكد لعام كامل في بلد يتجمد لشهور (ماف لعب كلو شيئ بنظام) لديهم نظام ( standard ) لطريقة التخزين وادوات ومواعين.. وتعقيم .. وتمليح و تخليل.. وطرق حفظ الطعام والمحصول و البطاطس اساسية فهي (العيش) مئات الكيلو جرامات يتم حفظها بطريقة علمية (مافي بطاطسية واحدة تبوظ) مما تم تخزينه ..و هنا اطنان البصل مرتين في السنة تهدر و(تبوظ) نتيجة الطمع وسوء التخزين و يغتني تاجر البصل المحتكر لا المزارع … والبطاطس هناك تؤكل اكثر من رغيف الخبز في هذه البلاد وهناك قد لا يحتاج الفرد لزيارة البقالة او السوق او حتي المخبز لان معظم الاحتياجات موجودة بالمخزن حتي الزيوت توجد معاصر صغيرة بالبيوت والاحياء لزهرة عباد الشمس هذا في المدينة اما في الارياف فيظهر البقر والماعز ومنتجات الالبان والاجبان عشرات الانواع والقشطة والزبدة و (شنو ماعارف) ورغم ان تلك البلاد من اكبر منتجي القمح في العالم وهم اهل الانواع المختلفة من المعجنات.. والمخبوزات.. والفطائر .. والخمائر و( شنو ما عارف) إلا ان
(الكارتوشكا) تظل سيدة المائدة و هو اسم البطاطس هناك و حلوها هنا اسمه البامبي….
ونستمر مع (الكارتوشكا) ان كان بالعمر بقية …

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى