
في السودان لا تدار الأزمات بمنطق واحد و لا تُقاس الكوارث بميزان العدالة بل بميزان المصالح.. فبينما يُرفع شعار (بل بس) حتى آخر جنجويدي عالياً كلما تعلق الأمر (بحياة المدنيين).
وهو أمر مشاهد و معروف ويهتفون به أمام كل العالم متى ما رأت كل الدنيا ضرورة وقف الحرب.. لكن ما سمعنا به من انخفاض الصوت فجأة و تحوله إلى لغة تفاوض هادئة حين دخل النفط على الخط.. هنا يتضح (الخلل) العميق في تقدير الأولويات حيث يصبح (الجاز) مسألة (سيادية) بينما يُترك المواطن ليختبر قدرته على البقاء بالأمباز.
حين استولت (قـ — وات الدع– م الس— ريع) على حقل هجليج (النفطي) لم تُرفع رايات القطيعة و لم تُعلن الحرب حتى آخر جندي (جن جويدي) كما يهتفون بل جرى توقيع اتفاق ثلاثي بين حكومة السودان وحكومة جنوب السودان وقوات (الدع–م الس—ريع) بذريعة الحفاظ على تدفق البترول فجأة توقف (البلبسة) وصمت (البلابسة) ثم صار التفاوض ضرورة وطنية وصار الجلوس مع (العدو) تعبيرّا عن الحكمة السياسية و تحول ما كان يُوصف (بالجن–جويد ) إلى طرف مقبول ما دامت (الأنابيب آمنة) لم يُسأل أحد يومها عن (المبدأ) لأن (الجاز) لا يحتمل التأخير ..
في المقابل حين حوصرت (الفاشر) و بلغ الجوع بالناس حد تناول (الامباز) تنادى العالم للتفاوض والهدنة الإنسانية والممرات الآمنة استُخدم نفس الوصف وذات الصوت البلبوسي الضخم وحركوا حلاقيم (البل) واستمرارالحرب حتى نهاية آخر (جن جويدي) و نفس الخطاب لإغلاق أي نقاش.. لا تفاوض، لا تنازل، لا حلول. وكأن إنقاذ (الأرواح) ترف سياسي بينما حماية (النفط) واجب وطني لا يقبل الجدل.. هذا التناقض لا يمكن تفسيره إلا باعتباره كيلاً فاضحاً بمكيالين حيث تُدار الدولة وفق قيمة الشيء لا قيمة الإنسان…
السؤال الذي يفرض نفسه بلا مواربة الذين وُقع معهم الاتفاق الثلاثي أليسوا هم ذات القوات التي تُوصَف (بالجن جويد) المرتزقة ؟؟؟ فإن كانوا كذلك، فلماذا (جاز) التفاوض معهم عند النفط و(حُرم) عند الجوع؟ وإن لم يكونوا فلماذا يُستباح دم المدنيين تحت هذا الوصف؟؟
و في الحالين يسقط الخطاب الأخلاقي وتبقى الحقيقة العارية القرار لا تحكمه المبادئ بل الحسابات…
لقد تحوّلت الوطنية في خطاب حكومة الأمر الواقع إلى مفهوم (انتقائي) النفط أمن قومي.. بينما المواطن فليصبر و(يحتسب) اما الجوع فهو دعاية معادية… الاتفاق و التفاوض (خيانة) حين يطالب به الناس و(حكمة) حين يحمي الأنابيب…..
أما (بل بس) تُقال للمدنيين لكنها لا تُقال (للجاز) و هنا لا نتحدث عن تعقيدات (حرب الكرامة) بل عن خلل في بوصلة الحكم حيث تُقدم الموارد على الأرواح و يُطلب من الناس أن يموتوا بصمت حتى لا تُربك معادلات السلطة.
التاريخ لا يرحم مثل هذه المفارقات لن يُسجل أن السودان .. أنهار لأنه فاوض بل لأنه فاوض حين تعرض النفط للخطر، و رفض التفاوض حين كان المواطن هو المحاصر والجائع
دولة تُفاوض من أجل (الجاز) وترفض التفاوض من أجل (الناس) لا يمكنها أن تطلب من شعبها الصبر و لا أن تُقنعه بخطاب البطولة.. فالدول تُقاس بقدرتها على حماية إنسانها أولًا و كل ما عدا ذلك تفاصيل لا تُغني عن الحقيقة شيئًا.



