
العنوان لا يُمجد البندقية على الإطلاق أو أي سلاح آخر يقتل ولا ينحاز لأي سلاح يُرفع في وجه الأخ فالحرب بلا أدنى شك كارثتها شاملة لا تُخلف سوى الجوع، والفقر، والمرض، والتشرد، وسلسلة طويلة من العذابات التي لا تحتاج إلى تعداد بقدر ما تحتاج إلى وعي كبير.
وكل بند من هذه العذابات يحتاج إلى (عدة أسلحة) لمواجهته ..
لكن السلاح الذي نتحدث عنه اليوم و تطرقنا له من قبل وسنظل نذكره.. ليس معدناً ولا ناراً ولا باروداً بل أناس من لحم ودم.. أنهم (المغتربون والمهاجرون) من أهل السودان.. هؤلاء كانوا ولا يزالون السد الأخير في وجه الانهيار الكامل.. جاهدوا و كافحوا وبذلوا الغالي والنفيس ضد الجوع، وحاربوا الفقر، وسدوا ثغرات المرض، وكفلوا الملايين من المشردين التائهين في أصقاع الأرض.. فعلوا ذلك بعزمٍ وثبات منقطع النظير.. يبتغون وجه الله و سلامة أهاليهم، وبقاء أوطانهم على قيد الحياة.
والشهادة لله.. لولا (المهاجرون والمغتربون) في كل بقاع الدنيا لمات الملايين داخل السودان و لما استطاع الملايين الخروج من نيران الحرب إلى بر الأمان ولا إنقاذ أنفسهم وأطفالهم وكبارهم من موتٍ محقق في هذه الحرب العبثية الوحشية التي قضت على الأخضر و اليابس (و دا ما موضوعنا).
لأن ما يجب أن يعلمه الناس بوضوح لا لبس فيه هو فهم حدود المسؤولية .
فالمسؤولية المباشرة للفرد المسلم شرعاً وأخلاقاً تبدأ وتنتهي عند العلاقات من الدرجة الأولى.. الوالدين، الزوجة، الأبناء .
هؤلاء هم من تُسأل عنهم يوم القيامة، ولا يحق لك التقصير في حقهم بأي حال من الأحوال طالما أنك بالغ راشد و قادر وليس هناك ما يعيقك عن العمل .
أما المسؤولية تجاه غيرهم فهي مسؤولية أخلاقية تأتي في مرتبة ثانية مشروطة بالقدرة المالية و متدرجة في دوائر الرحم (الأقربون أولى بالمعروف) والمعروف هو ما تعارف عليه الناس في مجتمعاتهم و عقائدهم .
الأخ، الخال، العم، الذكور والإناث، و أبناؤهم ذكوراً و اناثاً أعلاهم و أسفلهم .
وكل ما يُدفع لهم يُحسب من (الصدقات)، و يجب أن يُدركوا ذلك ويقبلوه برحابة صدر، إلا إذا لم ينوِ المعطي الصدقة، وكان ماله فائضاً فعليه أن لا يخصمها منصرفات عند حساب الزكاة.. بل ويرى البعض أنها أولى أن تُحسب زكاة وان يقبلها الاخر برحابة صدر ..(ودا ما موضوعنا).
لاني أخشى أن يجر لي هذا الكلام مشكلات مع بعض (رجال الدين) لكن الامتنان أولى من الصمت.. و الواجب يقتضي أن نشير بوضوح وبشكر عظيم إلى أولئك (المهاجرين والمغتربين) الذين لم يكونوا سنداً لأسرهم المباشرة و(الاقربون) فقط بل للجيران والأصدقاء بل هناك أناس لا يعرفون أسماءهم ولا أشكالهم.
أناسٌ تبرعوا و خدموا و كفلوا دون منٍ ولا أذى و دون انتظار شكر أو اعتراف.
وهؤلاء في ميزان القيم هم (الجنود) الحقيقيون في هذه الحرب.
وفي المقابل لا يمكن تجاهل الغصة التي تجعلك تبكي وينهمر دمعك.. غصة تلك الحالات الشاذة المؤلمة التي لم يُعنِ أصحابها أقرب الناس إليهم رغم قدرتهم على العون حالات رأيتها بنفسي، تستحق الدراسة.. فالذي لم يدخل عقلي أن يمتنع إنسان بكامل قواه العقلية وكامل الاحساس والشعور عن مساعدة والديه أو إخوته وهو قادر على ذلك فهذا أمر عجيب، وغريب، ومحزن حد القسوة أن يكون والدك أو والدتك أو اخوك وصل لذات البلد التي تقيم بها ولا تعيره ادنى اهتمام.. من أين أتي هؤلاء؟.. هل هم من تلك البلاد الباردة أم أنهم من (سودان النفوس كان اتطايبت العنقريب بشيل عشرة)؟ وهم ليس عشرة ولا ربعهم.. يا ترى ماذا حدث لتلك النفوس؟ أظنهم شواذ القاعدة …!!!! (ما علينا)
و لكن في النهاية.. حين نُجري الجرد الحقيقي لهذه الحرب سنكتشف مفارقة موجعة.. كان هناك سلاح يقتل وينهب.. و في الجهة الأخرى كان هناك سلاح يحفظ الأرواح ويحتضن الأجساد.. ذلك السلاح لم يكن بندقية، و لا طائرة، و لا مسيرة و لا مليشيا .
بل كان تحويلاً شهرياً، أو مكالمة خوف شفقة، أو تذكرة خروج، أو (مضايرة) واستقبال بلا (كشرة) وقلباً ظل معلقاً بين الغربة والوطن.. ذلك هو سلاح المغتربين.
السلاح الوحيد الذي لم يطلق رصاصة، السلاح الذي حقن كثيراً من الدماء و أنقذ الحياة.. وفي الختام تحية تقدير و احترام لهؤلاء الأوفياء الذين فتحوا قلوبهم قبل بيوتهم و أعادوا الحياة لأهلهم المنكوبين .
و ختام الختام لا للحرب والانتقام ونعم للحب للسلام ..
mtalab437@gmail.com



