
العنوان أعلاه ربما يراه البعض جارحاً أو مستفزاً، وربما لا يفهمه آخرون أصلاً، لأن كلمة (التبيعة) غريبة على كثير من الأجيال الجديدة. وهناك من هم تُبع تابعون نافعون، مثلما أن التبيعة كانت تبيعة نافعة للجنين بدرجة عالية، وهؤلاء أيضاً فيهم شيء منها (أي من التبيعة)…
أما (جيلي أنا) فقد ضحك كثيرون منه على التبيعة ساعة دفنها.
فهل ضحكي الآن يعني أنه ربما آن أوان دفن (التبيعة) بعد كل هذا التأخير.. ربما..لا أدري!!!
وقد كتبنا من قبل عن (العوقة)، ومصطلح (العوقة) يرتبط أحياناً بمصطلح (التبيعة)، إذ يُقال في السخرية :
(دفنوا الولد وربّوا التبيعة!)
عندما يصبح المولود (عوقة ودلاهة،) بعد كل تعب الوحم و الولادة و(الرباية)…
ما ذكرني بموضوع (التبيعة) هو ما يحدث في بلادنا اليوم وحربها العبثية (السودانية السودانية) خصوصاً عندما أشاهد الأخبار، وأرى الخبراء المخللين.. عفواً أقصد المحللين السياسيين يتحدثون بثقة عن (الواقع السياسي) و(توازن القوى) و(مآلات الصراع) فيخللون ويحللون ما أرادوا تخليله وتحليله بما يشبه (العبط ) فأجد نفسي أضحك ذات الضحك القديم الذي ضحكناه ونحن (ندفن التبيعة مع حبوباتنا).
ضحك لا يُشبه الفرح، بل ضحكٌ فيه مرارة وسخرية مرة من حالٍ نعرفه قبل أن نراه، ضحك لأننا نرى التاريخ يعيد نفسه بنفس الغباء والعناد، وقد ضحكنا من قبل لأننا سمعنا من يقول بكل بساطة:
(ق.و.ات الــدdعــم الــsــريــع خرجت من رحم القوات المسلحة).
فنظن لوهلة أن المسألة ولادة طبيعية، لكن حين ننظر حولنا نكتشف أن المولود صار هو الذي يرفع العصا بل البندقية على أمه، وأن (الداية) التي بشّرت بولادته كانت تبيع الحبال في السوق! لأنها (داية حبل) التي تُولد النساء وهن واقفات متمسكات بحبل مثبت علي سقف الغرفة …
فربما ربّوا التبيعة وظنّوها المولود، فكان ما نعيشه الآن هو ولادة وتربية خطأ، فيها صرخة طفل ليست صرخة حياة بل صرخة حرب و قتل ودمار….و (دا ما موضوعنا الآن)….
دعونا نُعرف (التبيعة) أولاً..
فهي بإختصار المشيمة والخلاصة التي تحفظ الجنين داخل الرحم طوال فترة الحمل. وسُمّيت (تبيعة) عند أهلنا في السودان لأنها تتبع خروج الجنين، وتُعرف عند بعض الحيوانات باسم (السلا) ونحن جيل عاش في الطبيعة وعرف كل هذه الأشياء و رأينا الكثير المثير الخطر عدا (تبيعة الكديسة) وهي القطة لأن طقوسها في الولادة فيها التخفي العظيم.. وهناك أساطير عمن يرى (تبيعة الكديسة) ..و (دا ما موضوعنا برضو)…
من الطقوس التي شاهدتها ومارستها وأنا صغير، طقس (دفن التبيعة) مع حبوبتنا كانت تُحفر حفرة داخل البيت، يلتف حولها الأطفال، ويأمرونا أن نضحك ضحكاً شديداً و بصوت عالٍ أثناء الدفن! فكنا نضحك ولا نعرف لماذا نضحك؟.
كل ما نعرفه أنه طقس واجب الأداء مثل كثير من الأشياء التي نمارسها بلا فهم.. ولا وعي فبلادنا بلد تداخل ديني وثقافي .. وثني.. يهودي.. مسيحي .. وإسلامي .. و ما زالت بعض الطقوس تمارس في المناسبات ومنها مناسبة المولود الجديد من مولده إلى سبوعه حتى الأربعين المرتبطة بكثير من المناسبات المفرحة والمحزنة
سألت جدتي ذات مرة:
ليه نضحك في دفن التبيعة وما نبكي؟ فجعرت أثناء دفن التبيعة …
فردت وهي تعض شفتيها:
(أحيي عليك ..أنت غلباوي وساعاااال!)
وكانت على حق، فأسئلتي كانت (كتيرة ومسيخة) .
لكن معظم الإجابات أن وجدت تولد كثير من الأسئلة التي لا إجابات حاضرة لها وقتها…
والسؤال الآن سؤال فعلاً يستحق أن يُسأل:
إذا كانت (ق.و.ات الــdعــم الــsــريــع) قد خرجت من رحم القوات المسلحة كما يقولون، وإن كانت القابلة (داية الحبل) قد تولّت إخراجها، و الوالدة قد ولدتها وهي واقفة على أرجلها كما كانت تفعل دايات الحبل في زمن سابق…
فالسؤال المنطقي جداً الآن:
أين ذهبت التبيعة…؟؟؟
عزيزي القارئ الكريم لم أقل من هو التبيعة؟؟ وسؤالي واضح!!!!!!
هل دُفنت كما كان يجب؟
أم تُركت وراء الباب حتى تعفّنت وصارت رائحتها تملأ المكان؟
هل تحولت إلى كيان آخر، يمشي على قدمين، يلبس بزّةً عسكرية أو كنغولية ويتحدث باسم الوطن؟
أم أننا نحن الذين ضحكنا ساعة دفنها لم نضحك عليها بل ضحكنا على أنفسنا، لأننا لم نعرف أن (التبيعة) لا تموت بالدفن، بل تعود كل مرة حين نُخطئ في فهم الولادة؟
و ما بين دفن (التبيعة) ودفن الوطن حكايات…
في الماضي كانت حبوبتي تدفن التبيعة لتُغلق دورة الحياة، لتبدأ حياة جديدة للطفل بلا خطرٍ من أثرٍ قديم.
أما نحن عند ولادة الثورة فدفنّا عقولنا وتركنا (التبايع) تخرج علينا في شكل جيوشٍ ومليشياتٍ وأحزابٍ وحروبٍ وبياناتٍ تعيد نفس المأساة.
نضحك كل مرة، نضحك كما كنا نضحك ونحن أطفال،
لكننا الآن نضحك على وطنٍ يُدفن كل يوم، (وتبيعةُ) كل أزمةٍ تُترك فوق الأرض تُنبت حرباً جديدة…
لا للحرب ونعم للسلام فإن قدم السلام كمولود جديد فلا تتركوا (تبيعته) ولا تدفنوها فإن العلم اكتشف كما هائلا من فوائد (التبيعة) للمستقبل وهناك مخازن (للتبايع) لا تشبه مخازن المُبايع والمُبايعون والبائعون الجدد البلابسة الأباليس و أحذروا أن (يحدس ما حدس) سابقاً.
نأخذ عظتنا من ثورتنا حين ولادتها فقد:
(وُلد الولد ولد سبعة، لكن التبيعة لم تُدفن ولم نضحك).. كما لم تُخزن (التبيعة) للمستقبل ..
وذاك هو سر وجعنا المستمر
نعم هذا النوع من التخزين تكلفته عالية جداً.. لكن لا تفرطوا فيه مهما كان الثمن..
فقد ثبت أن (التبيعة) تعيد الحياة لبعض الأعضاء تعالج بشكل نهائي الأمراض المزمنة و تُعد مصدرًا غنيًا بالخلايا الجذعية التي تساهم في تطوير علاجات تجديدية لإصلاح الأنسجة والأعضاء التالفة… و فائدتها لا تنحصر على المولود بل كل أفراد الأسرة.
وعليكم الله مولود السلام ما تفرطوا في تبيعتو
لا للحرب ونعم مولود السلام و مشيمته.



