
عنوان جاذب يقود القارئ لمعرفة من هي تلك العزيزة والوحيدة الغالية وبدون مطاولات العزيزة الوحيدة هي (بلادنا) وليست (بلادي انا) البلاد التي تبدأ من الأسرة الصغيرة والتربية السليمة و تمتد حتى تسكن دواخلنا وطناً بمساحة (المليون ميل مربع) بكل طقوسه.. سحناته، أديانه، ألوانه، و تنوعه الجميل.
لكن… (دا ما موضوعنا)..
فهذا أمر مفروغ منه ولا يحتاج إلى بيان.. وما يعنينا هنا أننا مشحونون بثقافة غريبة (شويتين) ساهمت فيها الأغنية السودانية بدرجة لا يمكن تجاهلها .. و المتابع لما أكتبه يلاحظ انشغالي الدائم (بالوجدان السوداني المضطرب) وبالدور الخفي الذي لعبته الأغنيات في تشكيله.
نعم .. من الإنصاف عند نقد النصوص الغنائية أن نضعها في سياق زمانها وظروفها، وهذا صحيح بلا ادنى شك.. لكن ما أكتبه هنا ليس نقداً فنياً بالمعنى الأكاديمي بقدر ما هو بحث في تأثير الأغنية على الوجدان العام
و القضية التي أناقشها اليوم هي (الرضا بالذل والخضوع) أمام الحبيب و هو ميراث عاطفي نقلته مرحلة الحقيبة، قبل أن يتمرد عليه بعض شعراء الأغنية لاحقاً، ويصلوا إلى وعي مختلف كما في:
(ندمان أنا):-
ومشيت معاك كل الخطاوي الممكنة بقدر ليها وبعرفها
أوفيت وما قصّرت في حقك و لا كان عرفة غيرك أصادفها
هنا يظهر ما يمكن (الحزن النبيل) و معرفة الحقائق بعد بذل الممكن، ثم (الاعتراف) دون (انكسار) مع الإيمان بأن (النهاية) ليست هنا مثلما قال:-
لا منك ابتدت الظروف، ولا بيك انتهت الأماني المترفة لكن.. (دا برضو ما موضوعنا).
فموضوعي هو أغنية مثل (العزيزة) حيث تتحول الأغنية من تعبير عاطفي إلى خطاب (خضوع) فليست كل أغنية عاطفية بريئة، ولا كل شجن غنائي منفصلاً عن الواقع بعض النصوص حين تُقرأ خارج سحر اللحن والأداء تكشف عن بنية أعمق من مجرد غزل و تتحول إلى مرآة لعلاقة مختلة بين الإنسان وما (يتسلط عليه).
أغنية (العزيزة) كلمات الأستاذ سعد الدين إبراهيم ولحن عمر الشاعر، واحدة من هذه النصوص التي تستحق التوقف عندها (نقدياً) لا بوصفها عملاً (فنياً) فقط، بل بوصفها (خطاباً وجدانياً) يعكس علاقة السوداني بالسلطة والوطن في آن واحد فالحبيبة أيضاً وطن… (واللا شنو؟؟!!).
يفتتح النص بجملة صادمة من حيث البناء العاطفي:-
العزيزة الما بتسأل عن ظروفنا
في منطق (الحب) السؤال عن الظروف هو (الحد الأدنى) من الإنسانية.. لكن النص لا يقدم هذا (الغياب) بوصفه (خللاً أو خيانة) بل كصفة (ثابتة و مقبولة) هنا ينتقل الغزل من مساحة (العاطفة المتبادلة) إلى مساحة (الخضوع) حيث يُحب الطرف (الأضعف) من لا يراه، ولا يهتم به، و(لا يسأل عنو ذاتو).
ويزداد هذا المعنى رسوخاً حين يصفها الشاعر بأنها:-
الوحيدة الطال عشان جيتك وقوفنا
الوقوف هنا ليس (انتظار) لقاء، بل (تعليق) حياة كاملة على (وعد غامض) انتظار طويل بلا مقابل يشبه إلى حد بعيد انتظار المواطن السوداني لدولة لا تأتي، أو لسلطة تطلب الصبر أكثر مما تقدم حلولاً
عذراً عزيزي الشعب السوداني على هذا الإسقاط، لكن في هذا السياق تتحول (العزيزة) إلى رمز يتجاوز المرأة ليكون دولة، حكومة، وطن مختطف
كيان لا يسأل عن أحوال الناس، لا يخفف آلامهم، لكنه يظل (رغم كل شيء) الوحيد الذي يُعلق عليه الأمل.
وعفواً لعشاق الأغنية، فهذه المفارقة هي جوهر الأزمة السياسية السودانية:-
وعي كامل بالفشل، يقابله عجز عميق عن القطيعة
يقول النص:-
(المواعيد لسة حزنانة بتنادي)
وهي عبارة يمكن قراءتها كتوصيف شعري للوعود المؤجلة، اتفاقيات السلام التي لا تكتمل، والمواقيت الوطنية التي تُعلن ولا تتحقق .. (المواعيد حزينة لأنها تعرف مسبقاً أنها لن تُنجز) لكنها تواصل النداء.
ويبلغ التناقض ذروته حين يعترف الشاعر:-
والله ما طلانا من بعدك فرح
فالفرح أي (الخلاص) أي الحياة الطبيعية مشروط بالكامل بهذا (الكيان الغائب) رغم معرفتنا المسبقة بأنه (لا يسأل… ولا يبادر).
وعفواً عزيزي القارئ، فهذه هي معادلة العلاقة بين السوداني والسلطة في زمن الحرب:-
الإحساس بأن لا خلاص خارجها، رغم كونها جزءاً أصيلاً من الأزمة.
أخطر ما في النص ربما هذه العبارة:-
و الله أحضانك بلد يا حلوة ما تنسينا فيها.
فالوطن هنا يُختزل في أحضان لا تُفتح فعلياً في دفء رمزي لا يتحقق على الأرض وطن مُتخيل لا يشبه الواقع لكنه يظل (الملاذ الوحيد) في الوعي الجمعي ويبقى السؤال:-
لماذا نطرب لمثل هذا النص ونجد أنفسنا فيه؟
والاجابة نطرب لأن الأغنية لا تكذب علينا و لأنها تعبّر عن حالة نفسية جماعية (التطبيع مع الغياب) تزيين القسوة بالشعر وتحويل الألم إلى جمال قابل للغناء.
و الغناء هنا لا يعني الرضا بل محاولة النجاة…
هو وسيلة لـ(ترويض القهر لا لمواجهته).
العزيزة ليست (أغنية حب) فقط بل (وثيقة وجدانية) لعلاقة غير متكافئة، علاقة يعرف فيها الطرف الأضعف كل العيوب، لكنه يواصل الانتظار والغناء.
ولهذا تبدو الأغنية جميلة…
لا رغم ألمها، بل بسببه…
إنها تشبه السودان كثيراً..
بلد نحبه أكثر مما يحمينا،
ونغني له… حتى لا ننهار.
إنها السلطة الوهمية.
فـتعالوا نغني الحزن النبيل…
وننتفض ونهتف لا للحرب لننهض ونعمر (العزيزة) كي تسأل عنّا و تدافع عنّا وترعانا.



