الرأي والتحليل

محمد طلب يكتب: حفريات (أم ضريوة) وضراوة الحرب

حتى لا يتوه القارئ ويتجه الناس (الأعمى شايل المكسر) نحو القرية الصغيرة الواقعة شمال الخرطوم اعتقاداً منهم أنها حفريات ذهب وتعدين أهلي أو حفريات آثار أو غيرها ففي هذه البلاد تنطلق الشائعات بصورة عجيبة لكن حفرياتي في (أم ضريوة) حفريات من نوع آخر تُستشف من بين سطور المقال و حواشيه…
ذاع صيت (أم ضريوة) أيام الصلف الكيزاني والهوس الديني عندما تم ضرب مصنع الشفاء فحشد داعمي النظام وقتها حشداً جماهيرياً كبيراً مندداً بالقصف الأمريكي للمصنع وهاتفاً (بالموت لأمريكا) في أيام (أمريكا روسيا قد دنا عذابها) و ظهر في ذلك الحشد الكبير لافتة كبيرة مكتوب عليها :-
(أم ضريوة تهدد أمريكا للمرة الأخيرة)
وقد ركزت عليها الكاميرات الناقلة للحشد الجماهيري ومخرجه للتلفزيون مما جعل اللافتة و (أم ضريوة) لوقت طويل مصدرا للسخرية والتهكم ويبدو لي والله أعلم أن الأمريكان إلى هذه اللحظة لم ينتبهوا لذلك التهديد ليحذروه فهم (غفلانين) أم يتغافلون لا أدري لكني أعلم جيداً و بلا أدنى شك أن اللافتة كانت صناعة جماعة (الأخوان) تمثل نفختهم الكاذبة المضحكة، التحية والتقدير والاحترام والاعتذار لكل أهل(أم ضريوة) الاأكارم وكل الشعب السوداني المغلوب على أمره لأربعة عقود مضت لكنها قطعاً إلى نهاية.
تذكرت لافتة (أم ضريوة) و أنا أسمع للتصريحات الهوجاء التي تصدر هذه الأيام ويتشدق بها البعض و يملأون بها الميديا رغم أنهم مكشوفون (بلا ضروة) أو حتى مجرد (ضريوة) وهي تصغير (ضروة) ولا يملكون عقولا تجعلهم يفكرون قبل أن تنطق ألسنتهم (بالكلام الأعوج) غير معلوم العواقب (اللا مدسدس ولا مغطي) يحمل ذات الافتراء و(الكٍدِددب) و الله (كِدِددب) و البعيد عن فنون الإدارة العامة ناهيك عن فن إدارة الأزمات والدبلوماسية في إدارة العلاقات الخارجية وبرتكولاتها و أزماتها المتكررة في الحالة السودانية (مرة مع دول و مرة دول) وهكذا دواليك.
دعونا أولاً نتعرف على (الضروة) و(الضريوة) والتي أحسب أن الكثيرون من جيل اليوم تغيب عنهم رغم أنها ذات أصل عربي فصيح.
و (الضَّرَاءُ) تعتبر في اللغة العربية من مفردات التضاد التي تحمل المعنى وضده فقد وجدتها بمعجم (المعاني الجامع) و لها المعنيين المتضادين التاليين:-
الضَّرَاءُ: البَرَازُ والفَضاء أو كما نقول نحن بالسودان (صقيعة) أو (سهلة).. والمعنى المضاد هو:-
الضَّرَاءُ: ما وارَى وسَتَرَ من شجر وغيرهِ و عندنا في الدارجيى حوش أو (صريف) ساتر أو أي (ضروة) تحجب النظر و غيره…
وأهلنا عندما يشتد عود الشاب و يعمل و يكسب و يصير للزواج يقولون له أعملك (ضروة) أي مكان يمارس فيه حياته الخاصة على الرغم من ضآلة وفقر أمر الخصوصية في بلادنا.
فالكلمة أصلها عربي (الضراء) وننطقها بذات النطق مع قصور ألم تقل احدى القونات في هبوط خشن:-
بالضراء بالضراء إن شاء الله راجل مرة
تعني خفية دون أن يعرف أحد سبحان الله هذا الهبوط بعد أن كان الضراء في معانيه المجازية الراقية
حين غنى وردي لمحجوب شريف :-
يا صبية الريح وراي خلي من حضنك (ضراي)
و الضراء هنا تحمل معاني الستر والملجأ والملاذ…
تخيلوا درجات الهبوط المريع.
و في بلادنا (المضاري كتيير) سبق أن عبر عنه قائد مليشيا الدعم السريع ونائب رئيس مجلس السيادة السابق والمتمرد الآن محمد حمدان دقلو بعبارته المشهورة (زمن الغتغتة و الدسديس انتهى) بما يعني أن (المضاري) عنّا كان مكشوفاً له وبذلك هو شريكاً في (الغتغتة) وصار يهدد بكشفها للعامة من (الغلابة)
و(الضراء) تختلف حسب الإمكانيات فقد تكون راكوبة أو قد تكون (سماك سابع دور) أو (حصون وقصور) وربما (سور داخل سور ) وهذا يقودنا إلى أقوال منسوبة للشيخ العبيد ود بدر:-
(ﺍﻟﻘﺎﺩﺭ ﻣﺎ ﺗﻘﺎﺩﺭﻭ ، والعوير ما تهاظرو ، ﻭﻣﺎ ﺗﺸﻬﺪ بي ﺍﻟﻤﺎﻙ ﺣﺎﺿﺮﻭ)
وقول اخر
(ﺍﻟﻌﻨﺪﻭ ﺣﺒﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺋﺎﺳﺔ، ﻣﺎ ﺗﻜﻤﻞ ﻣﻌﺎﻫﻮ ﺍﻟﻔﺮﺍﺳﺔ)
(ﺍﻟﺴﻜﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻠﺐ، ﻭﺍﻟﻌﺼﺎﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﻠﺐ، ﻭﻓﻜﺔ ﺍﻟﺮﻳﻖ ﻣﺴﻤﺎﺭ ﺍﻟﻘﻠﺐ ، ﻭمابي ﺍﻟﺠﻮﺩﻳﺔ ﻻ ﺑﺪ ينغلب).
ركزوا على الأخيرة هذه و أخبرونا كم من (جودية) دولية قامت لإنهاء الحرب واجهها تعنت كبير و أيادٍ خفية بدأت تعلن عن نفسها جهارا نهاراً.
أقول بها من الحكمة ما بها فوزعوها على من تشاؤون من المتحاربين فبعضها يحتاجه بعضهم فهم (يقادرون قادر) وما تلاها..
مما سبق يتضح أن (أم ضريوة) معناها (ضروتها) صغيرونة على قدرها و(الضروة) هي ما (يضاري) ويغطي ويحجب النظر و غيره…
معناها أنك عندما تكون (ضروتك) على قدرك (حقو ما تتقادر) و تتضارى عديييل كدا …
وعن الضروة والضراوة في الضرابة و الحرابة نحدثكم لاحقاً إن شاء الله …

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى